حذر رئيس شعبة النقل الدولي باتحاد الغرف التجارية أيمن الشيخ من ارتفاع أسعار الشحن البحري بنسبة تتراوح بين 200 و400% منذ إغلاق مضيق هرمز، مع توقعات بزيادة واردات مستلزمات الإنتاج بين 5 و15% والمنتجات تامة الصنع بين 10 و50% في السوق المصرية.
وتضع هذه القفزة المستهلك المصري أمام موجة غلاء جديدة لا تأتي من داخل المحلات فقط، بل تبدأ من ممر ملاحي ملتهب وفاتورة وقود وتأمين وحاويات، بينما تترك الحكومة سوقا كثيفة الاعتماد على الاستيراد مكشوفة أمام صدمات الخارج بلا بدائل إنتاجية أو حماية سعرية واضحة.
هرمز يرفع كلفة الحاوية ويضغط على سلاسل الإمداد
تواصل أسعار النقل والشحن الدولي ارتفاعها مع استمرار التصعيد في مضيق هرمز، وعدم الوصول إلى اتفاق مستقر يوقف المواجهة بين أمريكا وإيران، وهو ما جعل خطوط الملاحة تتعامل مع المنطقة باعتبارها مسارا عالي المخاطر يفرض رسوما إضافية على الحاويات والسفن.
وبحسب تصريحات أيمن الشيخ، ارتفعت أسعار الشحن البحري بصورة ملحوظة خلال الأسابيع الأخيرة، ووصل إجمالي الزيادة منذ إغلاق مضيق هرمز إلى ما بين 200 و400%، وهي قفزة لا تقف عند شركات الملاحة بل تنتقل لاحقا إلى فواتير المستوردين ثم المستهلكين.
وبسبب هذه القفزة، فرضت شركات الشحن البحري رسوما جديدة تحت مسمى مخاطر حرب ورسوم طوارئ إضافية على الحاويات، وتفاوتت الرسوم حسب الشركة ونوع الحاوية وخط السير، لكنها وصلت في بعض الحالات إلى 4000 دولار للحاوية الواحدة مع تصاعد التوترات.
كذلك فرضت شركات أخرى رسوما طوارئ أقل نسبيا تراوحت بين 160 و400 دولار للحاوية، لكن أثرها لا يبقى صغيرا عندما تتكرر على آلاف الحاويات، خصوصا أن المستورد المصري يدفع هذه الزيادة بالدولار ثم يحملها على تكلفة البضاعة داخل السوق المحلية.
في هذا المحور، يخدم رأي أيمن الشيخ وظيفة تفسير آلية انتقال الأزمة من البحر إلى الفاتورة، لأنه يربط بين ارتفاع الوقود ورسوم مخاطر الحرب وتغيير المسارات وزمن الرحلات، وهي عناصر عملية تكشف أن الأزمة ليست زيادة عابرة في بند واحد.
ثم أدى تغيير مسارات بعض السفن بعيدا عن مناطق التوتر إلى زيادة استهلاك الوقود وزمن الرحلات وتكاليف التشغيل، وهو ما جعل النقل البحري أغلى وأبطأ في الوقت نفسه، وأضعف قدرة المستوردين على تثبيت الأسعار أو الوفاء بمواعيد التسليم المعتادة.
ومن هنا، لا يظهر أثر مضيق هرمز في نشرات الأخبار الخارجية فقط، بل يظهر داخل المخازن المصرية وعقود الاستيراد ومواعيد توريد الخامات، لأن كل رحلة أطول تعني وقودا أكثر وتأمينا أعلى ورسوم عبور وتشغيلا إضافيا يضاف إلى السعر النهائي.
كما أن أزمة الشحن لا تتحرك بمعزل عن أسعار الطاقة العالمية، لأن ارتفاع الوقود يرفع تكلفة تشغيل السفن مباشرة، ثم تأتي رسوم التأمين لتضاعف العبء، خاصة عندما ترفض شركات التأمين تحمل مخاطر ملاحة تعتبرها مرتبطة بالحرب أو التهديد العسكري.
وبذلك تتحول الحاوية الواحدة إلى حامل جديد للتضخم، لأن الزيادة التي تبدأ بقرار شركة ملاحة أو شركة تأمين تنتهي في سعر الهاتف والسيارة والزيت والدواء ومكونات الإنتاج، بينما يظل المستهلك الحلقة الأضعف في سلسلة لا يملك التحكم في أي طرف منها.
واردات مصر تواجه موجة تسعير جديدة
في المرحلة التالية، ينتقل ارتفاع الشحن إلى واردات مستلزمات الإنتاج والسلع تامة الصنع، إذ توقع أيمن الشيخ زيادة أسعار مستلزمات الإنتاج المستوردة بين 5 و15%، وزيادة المنتجات تامة الصنع بين 10 و50%، إذا استمرت الأزمة وواصلت شركات الشحن فرض الرسوم الإضافية.
وتعد هذه النسب خطيرة على الاقتصاد المصري، لأن قطاعات واسعة من الصناعة المحلية تعتمد على خامات ومدخلات مستوردة، ولذلك لا تقف الزيادة عند السلع الجاهزة القادمة من الخارج، بل تمتد إلى منتجات محلية يدخل في تصنيعها مكون مستورد أو طاقة مستوردة أو نقل خارجي.
وبحسب مصدر في شعبة المستوردين، ستكون السلع تامة الصنع المستوردة الأكثر تأثرا بالأزمة، مع زيادات متوقعة تتراوح بين 10 و50%، بينما تشهد الصناعات المحلية المعتمدة على خامات ومستلزمات إنتاج مستوردة زيادات متفاوتة تتراوح مبدئيا بين 5 و15%.
غير أن أثر الأسعار لن يظهر فوريا على كل المنتجات، لأن بعض الشركات تمتلك مخزونا سلعيا أو عقود استيراد سابقة، لكن استمرار ارتفاع تكاليف النقل والتأمين قد يدفع المستوردين إلى إعادة تسعير المنتجات خلال الشهر المقبل، مع نفاد المخزون الأرخص.
وفي هذا السياق، يخدم رأي هاني جنينة وظيفة تفسير انتقال صدمة الشحن إلى التضخم، لأنه سبق أن ربط بين ارتفاع تكاليف الشحن ورفع أسعار السلع داخل السوق، وأشار إلى أن المصنعين أكدوا تأثرهم بزيادات الشحن التي تضغط على الأسعار في الأجل القصير.
لذلك لا يمكن للحكومة أن تتعامل مع ارتفاع الشحن كخبر خارجي بعيد عن المواطن، لأن مصر تستورد جزءا كبيرا من السلع الأساسية ومستلزمات الصناعة، وكل زيادة في النقل أو التأمين تتحول إلى تكلفة إنتاج أو استيراد ثم إلى سعر أعلى على رف المتجر.
كما أن السلع المرجح تأثرها واسعة وحساسة، وتشمل الوقود والحبوب والزيوت والسيارات والهواتف والأجهزة الكهربائية والأدوية والكيماويات ومستلزمات الإنتاج الصناعية، وهي سلع لا تخص طبقة محددة، بل تمس غذاء الأسر ومواصلاتها وعلاجها ومشترياتها الأساسية.
وتزداد خطورة الملف لأن المستوردين يعملون في بيئة تعاني من سعر صرف مكلف وتمويل مصرفي صعب وفوائد مرتفعة، وهو ما يجعل أي زيادة جديدة في الشحن والتأمين مضاعفة الأثر، إذ تضاف إلى الدولار والفائدة والجمارك والضرائب ومصاريف التداول المحلي.
ومن جهة أخرى، يضع ارتفاع الشحن الصناعة المحلية أمام مأزق مزدوج، فهي لا تستطيع تثبيت أسعارها إذا ارتفعت الخامات المستوردة، ولا تستطيع منافسة المنتج المستورد إذا عجزت عن الحصول على مدخلات إنتاج مستقرة، فتنتقل الأزمة من التجارة إلى خطوط الإنتاج.
وبناء على ذلك، يصبح الحديث الرسمي عن ضبط الأسواق ناقصا إذا لم يعالج أصل الاعتماد على الاستيراد، لأن الحملات الرقابية قد تضبط مخالفة في محل، لكنها لا تلغي فاتورة حاوية زادت 400% ولا تمنع مستوردا من إعادة تسعير بضاعته لحماية رأس ماله.
الغلاء القادم يكشف هشاشة الاعتماد على الاستيراد
على مستوى أوسع، تكشف أزمة مضيق هرمز هشاشة بنية الاستيراد المصرية، لأن السوق المحلية لا تتأثر بسعر الدولار وحده، بل تعتمد أيضا على ممرات بحرية ورسوم تأمين وطاقة عالمية وقرارات شركات شحن، وهو ما يجعل الأسعار الداخلية مرهونة بأزمات لا يتحكم فيها المواطن.
وهنا يخدم رأي ممدوح الولي وظيفة ربط الأزمة بعجز الميزان التجاري، لأنه ينبه منذ سنوات إلى أن المشكلة الأعمق في الاقتصاد المصري هي العجز المزمن بين الصادرات والواردات، وأن الاعتماد الكبير على الخارج يجعل البلاد أكثر تعرضا لصدمات الأسعار والنقل والتمويل.
لذلك تبدو أزمة الشحن الحالية اختبارا جديدا لفشل سياسات تقليل الواردات غير الضرورية وزيادة الإنتاج المحلي، لأن الاقتصاد الذي يستورد الغذاء والطاقة والمدخلات والسلع الاستهلاكية يصبح مكشوفا أمام أي إغلاق أو تهديد في ممر ملاحي رئيسي مثل مضيق هرمز.
وفي الوقت نفسه، لا يملك المواطن المصري أدوات لمواجهة هذه الموجة سوى تقليل الاستهلاك أو تأجيل الشراء، لأن السلع المتوقع ارتفاعها تشمل منتجات يومية ومستلزمات إنتاج وأدوية وأجهزة، بينما لا ترتفع الأجور بنفس سرعة ارتفاع تكلفة الحاويات والوقود والتأمين.
كما أن المسار البري البحري بين ميناءي سفاجا المصري وضبا السعودي أصبح يشهد إقبالا أكبر منذ مارس الماضي، مع سعي المصدرين والمستوردين لتفادي مخاطر الملاحة، لكن هذا التحول لا يلغي التكلفة، بل ينقل جزءا منها إلى مسار بديل أطول وأكثر ازدحاما.
ومن ثم، يصبح تحويل المسارات حلا اضطراريا لا سياسة إنقاذ، لأن البدائل اللوجستية تحتاج طاقة تشغيلية كافية وأسعارا واضحة وسرعة في التخليص الجمركي، وإلا فإن البضائع ستدفع تكلفة الوقت والتكدس والنقل المزدوج بين البر والبحر.
كذلك تظهر الأزمة في توقيت حساس للأسواق المصرية، لأن موجات الغلاء السابقة أضعفت قدرة الأسر على تحمل زيادات جديدة، وأصبحت أي قفزة في أسعار الزيوت أو الأجهزة أو الأدوية أو السيارات تضيف عبئا مباشرا على ميزانية الأسر ومصاريف الزواج والصيانة والعلاج.
وبالتوازي، تحتاج الحكومة إلى إعلان خطة واضحة لتأمين السلع الأكثر تأثرا، وتوسيع المخزون من الحبوب والزيوت والأدوية ومستلزمات الإنتاج، ومراجعة رسوم الإفراج والتخليص، وتسهيل التمويل للمصانع التي تستورد خامات ضرورية حتى لا تتحول أزمة الشحن إلى توقف إنتاج.
لكن غياب هذه الخطة يجعل المستوردين يتحركون فرادى، فيعيد كل مستورد حساباته حسب مخزونه وعقوده وقدرته على التمويل، بينما يدفع المستهلك النتيجة في صورة أسعار جديدة تظهر تدريجيا خلال الأسابيع المقبلة، خصوصا إذا طال إغلاق المضيق أو استمرت رسوم الحرب.
وفي النهاية، تكشف قفزة الشحن بين 200 و400% أن فاتورة الغلاء القادمة لا تبدأ من التاجر وحده، بل من بحر مضطرب وسياسات استيراد هشة واقتصاد لم يبن حماية كافية ضد الصدمات الخارجية، ولذلك ستصل الأزمة إلى بيوت المصريين عبر أسعار السلع لا عبر نشرات الملاحة فقط.
وبهذا المعنى، لا تكفي طمأنة الأسواق بتوافر السلع إذا كانت تكلفة وصولها ترتفع بهذا الحجم، لأن السلعة الموجودة بسعر لا يطاق تعني أزمة معيشية مؤجلة، ولأن حكومة تركت الإنتاج المحلي ضعيفا ستظل تطارد التضخم بعد وصوله بدلا من منعه من المصدر.

