مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
حصيلة متواضعة ونتائج مخيبة وأقل من التوقعات، وصفقات ضعيفة ومحدودة بعضها معروف ومتفق عليه سلفًا، ومجموعة وعود ومذكرات تفاهم صينية قد لا ترى النور. كانت هذه هي حصيلة زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للصين قبل أيام، والتي سبقها حديث أميركي مبالغ فيه عن توقعات بتحقيق إنجازات اقتصادية وتجارية ضخمة، وخضوع النظام الصيني لتهديدات البيت الأبيض بشأن ملفات التجارة وشرائح الرقائق والذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية، وإلا سيواجه بسياسات ترامب المتهورة، من إعادة شن حرب الرسوم الجمركية وفرض العقوبات والتسبب في إحداث هزة عنيفة للصادرات والاقتصاد الصيني.
ذهب ترامب إلى الصين بمطالب متعجرفة وفوقية، متوهمًا أنه سيعود من بكين محملًا بصفقات وعقود استثمار قيمتها تريليونات الدولارات، وفرض حربه التجارية ورسومه الجمركية الشرسة مرة أخرى على صاحبة ثاني أقوى اقتصاد في العالم، وتحقيق مكاسب ترضي الناخب الأميركي الغاضب من قفزات أسعار السلع الرئيسية وتضخم أسعار الوقود والغذاء والدواء ورفع كلفة الأموال والإنتاج، وتكرار ما جرى في العام 2017 حيث وقّعت الشركات الأميركية التي رافقت ترامب آنذاك صفقات ومذكرات تفاهم بقيمة 250 مليار دولار، لكنه عاد هذه المرة شبه خالي الوفاض إلا من صفقة شراء 200 طائرة بوينغ لمصلحة شركات الطيران الصينية، رغم حديثه السابق عن 500 طائرة، ووعود من الرئيس الصيني، شي جين بينغ، للشركات الأميركية بفتح أبواب بلاده أمامها، وتعهد بكين بشراء منتجات زراعية أميركية بقيمة لا تقل عن 17 مليار دولار سنويا حتى عام 2028، وإعلان ترامب ووزير طاقته كريس رايت أن الصين ترغب في شراء النفط من الولايات المتحدة، وتوقعات أميركية أخرى جاءت على لسان جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة "إنفيديا" العملاقة، بأن تفتح الصين تدريجيًا سوقها أمام رقائق الذكاء الاصطناعي الأميركية، وتخفيف القيود التي فرضتها بكين على واردات الرقائق المتقدمة.
كما تم الاتفاق خلال قمة ترامب - شي على هدنة تجارية أطول وتبريد ملف الرسوم الجمركية وإطلاق مجلس تجاري مشترك لخفض الرسوم على بعض السلع غير الحساسة، مع توجيه دعوة للرئيس الصيني لزيارة واشنطن في سبتمبر المقبل. لكن في المقابل لم تسفر القمة عن أي انفراجة فعلية بشأن بيع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة (إنفيديا إتش200) للصين، وإزالة القيود التكنولوجية، ونتائجها الكلية أقل كثيرا من طموحات واشنطن، ورغم أن ترامب اصطحب معه إلى الصين 18 من كبار الرؤساء التنفيذيين لأبرز الشركات الأميركية بثروات شخصية تتجاوز 27 تريليون دولار ووفد اقتصادي رفيع المستوى، إلا أن المحصلة أن الصين خرجت فائزة خلال زيارة ترامب، مستغلة تراجع شعبيته وإدارته بشكل ملحوظ عن نهجها المتعجرف في ملف التجارة، ونتائج الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، رغم حرص واشنطن وبكين على طي تلك الحقبة المتوترة في تاريخ البلدين عبر إطلاق مساع من أكبر اقتصادين في العالم لاحتواء التوترات التجارية وإعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية. وبالطبع، فإن ترامب لم يحرز أي نجاحات على المستوى السياسي خاصة في ملف تايوان.

