حذر المهندس طارق شكري رئيس غرفة صناعة التطوير العقاري باتحاد الصناعات ورئيس اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب من ارتفاع أسعار العقارات في مصر بنسبة بين 10 و15% خلال العام الجاري، بسبب زيادة مدخلات البناء والطاقة عالميا، بما يرفع تكلفة السكن على المشترين.


وتكشف هذه التوقعات أن الحكومة تترك أزمة السكن تنتقل من حق اجتماعي إلى سلعة بعيدة عن قطاعات واسعة من المصريين، فالمواطن الذي يواجه دخلا متآكلا وأسعار غذاء وطاقة مرتفعة يجد نفسه أمام سوق عقارية تطارده بالزيادات، بينما تفتح الدولة الباب للأموال الخارجية وتترك القدرة الشرائية المحلية تتراجع.


مدخلات البناء تشعل الأسعار والمشتري يدفع الفاتورة


قال طارق شكري إن أسعار العقارات مرشحة للارتفاع خلال 2026 نتيجة زيادة واضحة في تكلفة التنفيذ، بعدما سجلت مدخلات أساسية مثل الألومنيوم والنحاس ارتفاعات وصلت إلى 40 و45%، بينما صعدت باقي مكونات الإنتاج بنسب بين 15 و20%، بما يدفع المطورين إلى إعادة التسعير.


وبذلك ينتقل أثر الزيادات العالمية والمحلية مباشرة إلى سعر الوحدة، لأن المطور لا يمتص الكلفة غالبا بل يضيفها إلى المشتري، فيتحول ارتفاع النحاس والألومنيوم والطاقة إلى أقساط أطول ومقدمات أكبر ومساحات أصغر، بينما تبقى الحكومة عاجزة عن ضبط سوق يزداد ابتعادا عن الدخل الحقيقي.


وفي هذا المحور يخدم رأي طارق شكري وظيفة تفسير سبب الزيادة من داخل القطاع نفسه، لأنه لا يتحدث عن مضاربة فقط بل عن تكلفة خامات وطاقة وتمويل، غير أن هذا التفسير لا يبرئ السياسات الحكومية التي رفعت كلفة التشغيل وتركت التمويل العقاري محدود الأثر.


كما أن ارتفاع الأسعار المتوقع بين 10 و15% لا يأتي فوق قاعدة منخفضة، بل يأتي بعد سنوات قفزت فيها أسعار الوحدات وتراجعت قدرة الأسر على الشراء، لذلك لا تعني النسبة مجرد تحريك سنوي طبيعي، بل تعني إبعاد شريحة جديدة من المصريين عن حلم السكن المناسب.


فجوة العرض والطلب تكشف عجز سياسة الإسكان


في المقابل، لا تقف الأزمة عند تكلفة البناء وحدها، لأن السوق يواجه خللا واضحا بين المعروض والطلب الحقيقي، حيث تحتاج مصر سنويا إلى مئات الآلاف من الوحدات السكنية، بينما تذهب أجزاء واسعة من المعروض إلى شرائح استثمارية لا تمثل احتياج الأسرة المتوسطة.


ومن هنا تتسع الفجوة بين من يشتري لحفظ المدخرات ومن يبحث عن مسكن للعيش، فالأول يستطيع قبول الأسعار المرتفعة باعتبار العقار وعاء للقيمة، بينما يواجه الثاني أقساطا تثقل دخله لسنوات، وحكومة لا توفر بديلا كافيا بسعر عادل داخل المدن القريبة من العمل.


ويخدم رأي المهندس محمد البستاني رئيس جمعية مطوري القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية هذا العنوان، لأنه أشار إلى حاجة السوق لنحو 900 ألف وحدة سنويا وتراجع القدرة الشرائية، كما نصح المشترين بالحذر من العروض المبالغ فيها والتحقق من سمعة المطور ومواعيد التسليم.


لذلك تبدو سياسة الإسكان الحالية منحازة إلى دورة بيع طويلة أكثر من انحيازها إلى حق السكن، فالشركات ترد على ضعف القدرة الشرائية بمدد سداد أطول، لكنها لا تخفض جوهر السعر بما يكفي، فتتحول التسهيلات إلى وسيلة لتأجيل العبء لا لإتاحة السكن فعليا.


تصدير العقار يمنح الدولار ويحاصر المواطن المحلي


على جانب آخر، قدم طارق شكري تصدير العقار باعتباره أداة رئيسية لدعم السوق، بعدما ارتفعت مبيعات العقارات للأجانب والعرب إلى نحو 2 مليار دولار خلال العام الماضي مقارنة بنحو 200 مليون دولار في فترات سابقة، وهو رقم تستخدمه السوق لتأكيد جاذبية العقار المصري.


لكن تحويل العقار إلى باب لجذب الدولار يضع الحكومة أمام اتهام اجتماعي مباشر، لأنها تفتح السوق أمام مشترين يملكون عملات أقوى في وقت يتراجع فيه دخل المصري بالجنيه، فتزيد المنافسة على الوحدات الجيدة وترتفع الأسعار، بينما يتحول المواطن المحلي إلى الطرف الأضعف داخل بلده.


ويخدم رأي المهندس هشام شكري حول تصدير العقار محور العملة الصعبة، لأنه أعلن أن حصيلة تصدير العقار بلغت نحو 2 مليار دولار في 2024 و2025، وتوقع نموا بين 10 و20% في 2025 و2026، بما يوضح حجم الرهان الرسمي والقطاعي على المشتري الخارجي.


ومع ذلك، لا يمكن بيع هذا الرهان بوصفه نجاحا كاملا، لأن الدولار الذي يدخل من بيع وحدة لأجنبي لا يعالج وحده أزمة أسرة مصرية لا تستطيع شراء شقة، كما أن جذب الخليجيين والعرب يجب ألا يتحول إلى سبب إضافي لرفع السعر على المواطن الباحث عن حياة كريمة.


القطاع العقاري يتحول إلى مخزن قيمة لا حل سكني


وبالتوازي مع تصدير العقار، يدفع انخفاض قيمة العملة قطاعات من المشترين إلى العقار لحفظ المدخرات، وهي ظاهرة أشار إليها المهندس فتح الله فوزي رئيس لجنة البناء والتشييد بجمعية رجال الأعمال، حين ربط انخفاض العملة بعودة المشترين بغرض الاستثمار إلى السوق العقاري بعد تراجعهم سابقا.

 

ثم يزيد هذا المسار الضغط على السوق السكنية، لأن الطلب الاستثماري لا يقيس الوحدة بوظيفتها الاجتماعية بل بعائدها وقيمتها المستقبلية، بينما يقيسها المواطن بعدد سنوات القسط ونسبة دخله الشهري، وهنا تفشل الحكومة عندما تترك المضاربة وحفظ الثروة ينافسان الحاجة الأساسية للسكن.


كذلك حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من تباطؤ السوق واتساع الفجوة بين الأسعار والقدرة الشرائية، ودعا إلى إعادة ترتيب أولويات تخصيص الموارد داخل الاقتصاد بدلا من التوسع بنفس الوتيرة في القطاع العقاري، وهي إشارة مهمة إلى أن كثرة البناء لا تعني عدالة السكن.


وفي النهاية، لا تكمن أزمة أسعار العقارات في مصر 2026 في ارتفاع خامة أو حرب خارجية فقط، بل في سياسة اقتصادية جعلت السكن تابعا للدولار والتكلفة والمضاربة والتصدير، بينما بقي المواطن المصري في آخر الحساب، يدفع ثمن أرض باهظة وتمويل مرتفع وحكومة تتحدث عن السوق ولا تحمي حق السكن.