حذر برنامج أهل البلد على قناة الشرق، في تقرير له، من اتساع أزمة التقزم ونقص هرمون النمو بين الأطفال في مصر، بعد شكاوى أسر من نقص العلاج وارتفاع تكلفته، وسط تقديرات متداولة تشير إلى وصول التقزم بين الأطفال إلى نحو 21%.
وتكشف الأزمة فشلا حكوميا في تحويل حملات الكشف المدرسي إلى علاج مستقر، لأن الطفل الذي تكتشف الدولة ضعف نموه لا يحتاج إلى إعلان جديد، بل يحتاج إلى حقنة منتظمة وغذاء مناسب ومتابعة طبية لا تنقطع بسبب نقص الدواء أو عجز الأسرة عن الدفع.
التقزم ليس قصر قامة فقط بل إنذار على صحة جيل كامل
تبدأ خطورة التقزم من كونه نتيجة لسوء تغذية مزمن في مراحل مبكرة، خصوصا أثناء الحمل وأول سنوات عمر الطفل، ولذلك لا تتوقف آثاره عند الطول، بل تمتد إلى التحصيل الدراسي والمناعة والنمو العقلي وقدرة الطفل على المشاركة الطبيعية في المدرسة والمجتمع.
وبحسب بيانات قديمة متداولة عن منظمات صحية، وصلت نسبة التقزم إلى 21%، بينما تشير بيانات أحدث من مسح صحة الأسرة المصرية إلى تراجع النسبة إلى نحو 12.8% بين الأطفال دون الخامسة، غير أن هذا التراجع لا يلغي استمرار الخطر مع ارتفاع أسعار الغذاء.
كما تؤكد بيانات اليونيسف عن مصر أن أكثر من نصف الأطفال بين 6 و23 شهرا يعيشون في فقر غذائي بدرجات مختلفة، وأن 43% من الأطفال بين 6 و59 شهرا يعانون الأنيميا، وهي أرقام تجعل خطاب التحسن الرسمي ناقصا إذا لم يترجم إلى تغذية يومية.
في هذا المحور، حذرت خبيرة التغذية سلوى حفني من أن سوء التغذية لا يعني نقص الطعام فقط، بل يشمل ضعف جودة النظام الغذائي والاختلالات المرتبطة بنمط الحياة، ووصفت آثاره في الطفولة المبكرة بأنها سلسلة طويلة تمس النمو البدني للأطفال.
لذلك، لا يكفي أن تعلن الحكومة حملات قياس الطول والوزن داخل المدارس، لأن التقزم يبدأ قبل دخول المدرسة بسنوات، والحكومة التي تترك الأم والطفل أمام الغذاء الغالي ثم تكتشف النتيجة في الفصل الدراسي تتعامل مع النهاية لا مع السبب.
الكشف المبكر بلا علاج منتظم يحول المبادرات إلى أرقام
بعد حملات الكشف عن الأنيميا والسمنة والتقزم داخل المدارس، ظهرت فجوة واضحة بين التشخيص والعلاج، حيث تحدث أولياء أمور في برنامج أهل البلد عن توفر حقن هرمون النمو لفترات قصيرة، ثم انقطاعها لأشهر رغم أن العلاج يحتاج انتظاما مستمرا.
وتتفاقم المشكلة عندما يثبت التحسن على الطفل مع العلاج، ثم يتراجع النمو مجددا بسبب توقف الجرعات، لأن بروتوكولات علاج نقص هرمون النمو تقوم على الالتزام اليومي أو طويل المدى، ولا تتحمل الانقطاع المتكرر الذي تفرضه أزمة التوفر أو السعر.
في هذا السياق، توضح الدكتورة هيام نظيف، العميد السابق لكلية الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس، أن قصر القامة له أسباب متعددة، بينها اضطرابات الغدد ونقص هرمون النمو والأمراض المزمنة، وأن اكتشافه يتطلب قياسات دورية ومقارنتها بمنحنيات النمو.
ومن هنا، تصبح مسؤولية الحكومة مزدوجة، فهي مطالبة بالكشف المبكر عبر الوحدات الصحية والمدارس، ومطالبة أيضا بضمان مسار علاج واضح بعد التشخيص، لأن الأسرة الفقيرة لا تملك رفاهية الانتقال بين المستشفيات واللجان والصيدليات بحثا عن حقنة غير متوفرة.
كما أن ربط العلاج بإجراءات طويلة أو قرارات غير منتظمة على نفقة الدولة يحول المرض إلى سباق مع الوقت، فالطفل لا ينتظر دورة مستندية جديدة، وكل شهر تأخير في علاج نقص هرمون النمو قد يعني فرصة أقل للوصول إلى طول ونمو أفضل.
حقن هرمون النمو بين الغلاء ونقص الإمداد
تزيد كلفة حقن هرمون النمو العبء على الأسر، خصوصا مع اعتماد السوق على أدوية مستوردة أو مرتفعة السعر، في وقت تحتاج فيه بعض الحالات إلى جرعات مستمرة تحت إشراف طبي لفترات طويلة، بما يجعل العلاج خارج قدرة شرائح واسعة من المصريين.
وفي هذا المحور، أوضحت الدكتورة منى عطية، أستاذ طب الغدد الصماء أطفال بقصر العيني، أن هرمونات النمو الصناعية حققت نجاحا في علاج الأطفال والبالغين، لكنها تؤخذ يوميا بالحقن، وأن الالتزام بالجرعة اليومية لفترات طويلة من أبرز تحديات المرضى.
وبناء على ذلك، لا تصبح أزمة الدواء مجرد نقص في صنف علاجي، بل تتحول إلى تهديد مباشر لفرصة الطفل في التعويض، لأن العلاج الهرموني لا يعمل بمنطق الجرعات المتقطعة، ولا يمكن للأسرة أن تتحمل وحدها ثمن خلل سلاسل التوريد أو قرارات الاستيراد.
وقد أشار تناول برنامج أهل البلد إلى شكاوى أسر قالت إن أبناءها تحسنوا مع انتظام العلاج ثم تراجعت حالتهم مع انقطاعه، وهي شهادات تضع وزارة الصحة أمام سؤال محدد عن ضمان المخزون وليس الاكتفاء بالقول إن المبادرات تكشف ملايين الطلاب.
في النهاية، تكشف أزمة التقزم ونقص هرمون النمو أن الدولة تستطيع قياس طول الطفل، لكنها لا تضمن بالقدر نفسه دواءه وغذاءه ومسار علاجه، وإذا بقيت الحقن تنقطع والأسعار ترتفع، فسيدفع الأطفال ثمن عجز حكومي يبدأ من طبق الطعام وينتهي عند صيدلية المستشفى.

