أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في القاهرة نتائج بحث القوى العاملة للربع الأول من عام 2026، مسجلًا تراجع معدل البطالة إلى 6.0% من إجمالي قوة العمل بانخفاض 0.2 نقطة مئوية عن الربع السابق، بالتزامن مع ارتفاع عدد المشتغلين إلى 33.287 مليون فرد وزيادة قوة العمل إلى 35.412 مليون فرد، في وقت تواصل فيه الحكومة الترويج لتحسن مؤشرات سوق العمل رغم اتساع الضغوط المعيشية وتراجع جودة الوظائف المتاحة.

 

ويأتي الإعلان الحكومي عن انخفاض البطالة بينما تواجه ملايين الأسر المصرية تآكلًا مستمرًا في الدخول الحقيقية بسبب التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، إذ يرى مراقبون أن الأرقام الرسمية تخفي توسع العمالة غير المستقرة وضعف الأجور وتزايد الاعتماد على العمل المؤقت وغير المؤمن عليه، خصوصًا بين الشباب وخريجي الجامعات الذين تحول كثير منهم إلى وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم أو إلى أعمال يومية بالكاد توفر الحد الأدنى من المعيشة.

 

أرقام رسمية تخفي أزمة سوق العمل الحقيقي

 

أوضح تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن حجم قوة العمل ارتفع خلال الربع الأول من عام 2026 إلى 35.412 مليون فرد مقارنة بـ34.829 مليون فرد في الربع السابق بنسبة زيادة بلغت 1.7%، بينما سجلت قوة العمل في الحضر 15.238 مليون فرد مقابل 20.174 مليون فرد في الريف.

 

كما أظهرت البيانات الرسمية أن حجم قوة العمل بين الذكور بلغ 27.588 مليون فرد مقابل 7.824 مليون فرد للإناث، وهو ما يعكس استمرار الفجوة الكبيرة بين الجنسين في فرص العمل والمشاركة الاقتصادية، رغم التصريحات الحكومية المتكررة حول تمكين المرأة وزيادة مساهمتها في سوق العمل.

 

وبحسب التقرير ارتفع عدد المشتغلين بمقدار 610 آلاف مشتغل خلال الربع الحالي مقارنة بالربع السابق، بينما انخفض عدد المتعطلين بمقدار 26 ألف متعطل، وهو ما أدى إلى زيادة إجمالية في قوة العمل بلغت 583 ألف فرد خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري.

 

في المقابل يرى الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن انخفاض معدل البطالة الرسمي لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في بنية الاقتصاد، موضحًا أن كثيرًا من الوظائف الجديدة تقع ضمن العمالة غير المنتظمة أو الأعمال الهشة التي لا توفر حماية اجتماعية أو دخلًا مستقرًا للعاملين.

 

وأضاف وائل النحاس أن الحكومة تعتمد على المؤشرات الرقمية المجردة دون معالجة أزمة تدني الأجور وتراجع القدرة الشرائية، مؤكدًا أن المواطن الذي يعمل عدة ساعات يوميًا ولا يستطيع تغطية احتياجاته الأساسية لا يمكن اعتباره مستفيدًا فعليًا من تحسن سوق العمل.

 

كذلك سجل عدد المتعطلين 2.126 مليون متعطل بينهم 1.006 مليون من الذكور و1.120 مليون من الإناث، مقارنة بـ2.152 مليون متعطل في الربع السابق، بانخفاض بلغت نسبته 1.2%، بينما ارتفع العدد مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي بنحو 15 ألف متعطل.

 

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن معدل البطالة بين الذكور بلغ 3.6% من إجمالي الذكور في قوة العمل خلال الربع الحالي مقابل 14.3% بين الإناث، وهو ما يعكس استمرار العوائق الاقتصادية والاجتماعية التي تمنع النساء من الوصول إلى فرص عمل مستقرة وعادلة.

 

خريجو الجامعات خارج سوق العمل المنتج

 

كشف التقرير أن حملة المؤهلات المتوسطة وفوق المتوسطة والجامعية يمثلون 79.6% من إجمالي المتعطلين خلال الربع الحالي، بينهم 41.5% من حملة المؤهلات الجامعية وما فوقها، ما يعكس اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل في مصر.

 

ويؤكد هذا المؤشر أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بندرة الوظائف، بل بطبيعة الاقتصاد نفسه الذي بات عاجزًا عن استيعاب الكفاءات العلمية والمهنية، في ظل تراجع القطاعات الإنتاجية واعتماد الدولة على مشروعات لا تولد فرص تشغيل مستدامة تتناسب مع أعداد الخريجين المتزايدة سنويًا.

 

ويرى خبير الاقتصاد الوزير السابق جودة عبد الخالق أن استمرار ارتفاع بطالة خريجي الجامعات يكشف فشل السياسات الاقتصادية الحالية في بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي، موضحًا أن الحكومة ركزت خلال السنوات الماضية على قطاعات استهلاكية وإنشائية لا تخلق فرص عمل كافية لأصحاب المؤهلات.

 

وأضاف جودة عبد الخالق أن توسع الدولة في الاقتراض والإنفاق على المشروعات العقارية والبنية الفخمة جاء على حساب الصناعة والزراعة والتعليم الفني، وهو ما أدى إلى إنتاج أعداد ضخمة من الخريجين دون وجود سوق قادر على استيعابهم بصورة حقيقية.

 

فيما أظهرت البيانات الرسمية أن معدل البطالة في الحضر بلغ 8.4% مقابل 4.2% في الريف، وهي فجوة ترتبط بطبيعة العمل الريفي الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الأعمال الموسمية وغير الرسمية التي لا تدخل كلها ضمن معايير التشغيل المستقر أو العمل اللائق.

 

كذلك يعكس انخفاض البطالة في الريف اعتماد قطاعات واسعة من الأسر على العمل العائلي والزراعي منخفض الدخل، حيث يلجأ كثير من المواطنين إلى أي نشاط اقتصادي محدود لتجنب البقاء خارج سوق العمل رسميًا، حتى إذا كان هذا النشاط لا يحقق دخلًا يكفي متطلبات الحياة الأساسية.

 

وفي السياق ذاته بلغ عدد المشتغلين بأجر نقدي 22.976 مليون مشتغل بنسبة 69.0% من إجمالي المشتغلين، بينما تراجع عدد أصحاب الأعمال الذين يديرون أنشطة ويستخدمون آخرين إلى 1.684 مليون مشتغل بنسبة 5.1% فقط من إجمالي المشتغلين.

 

ويشير اقتصاديون إلى أن هذا التراجع يعكس استمرار الضغوط على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة والضرائب وتكاليف التشغيل، وهو ما أدى إلى تقلص قدرة القطاع الخاص على التوسع وتوفير فرص عمل مستقرة خلال السنوات الأخيرة.

 

العمل غير المستقر يتوسع تحت ضغط المعيشة

 

أظهرت نتائج البحث ارتفاع عدد المشتغلين الذين يعملون لحسابهم الخاص إلى 6.226 مليون مشتغل بنسبة 18.7% من إجمالي المشتغلين، وهو ما يعكس اتساع الاعتماد على العمل الفردي والأنشطة غير الرسمية في مواجهة صعوبة الحصول على وظائف مستقرة داخل القطاعين الحكومي والخاص.

 

كما بلغ عدد المشتغلين المساهمين في مشروعات داخل الأسرة بدون أجر 2.401 مليون مشتغل بينهم 1.535 مليون إناث، بنسبة 7.2% من إجمالي المشتغلين، وهو ما يكشف استمرار اعتماد قطاعات واسعة من الأسر المصرية على العمل غير المدفوع داخل الأنشطة العائلية والزراعية.

 

ويرى عبد الخالق فاروق أن الأرقام الرسمية تؤكد اتساع ظاهرة التشغيل القسري منخفض الدخل، موضحًا أن ملايين المصريين يعملون في وظائف غير مستقرة فقط لتجنب السقوط الكامل خارج سوق العمل، دون أي ضمانات اجتماعية أو تأمينية.

 

وأضاف عبد الخالق فاروق أن الحكومة تستخدم انخفاض معدل البطالة للترويج لنجاح اقتصادي غير موجود على الأرض، بينما تعاني الأسر من تراجع الدخول الحقيقية وارتفاع تكاليف الغذاء والسكن والكهرباء والمواصلات بصورة دفعت كثيرًا من المواطنين للعمل في أكثر من وظيفة.

 

وفي الوقت نفسه تواجه المشروعات الصغيرة وأصحاب الحرف ضغوطًا متزايدة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والخامات، وهو ما أدى إلى إغلاق أنشطة كثيرة أو تقليص العمالة داخلها، بينما اتجه آخرون إلى تشغيل العمالة اليومية بعيدًا عن العقود الرسمية لتقليل التكاليف.

 

كما يعكس ارتفاع أعداد العاملين لحسابهم الخاص تراجع ثقة الشباب في فرص التوظيف التقليدية، حيث بات كثير من الخريجين يعتمدون على أعمال مؤقتة أو نشاط فردي محدود عبر الإنترنت أو الأسواق الشعبية أو خدمات التوصيل لتوفير مصدر دخل سريع.

 

وفي ظل هذه المؤشرات تتزايد التساؤلات حول قدرة الاقتصاد المصري على توفير وظائف مستقرة ومنتجة خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار التوسع في السياسات المالية التقشفية وارتفاع أعباء الديون وتراجع الإنفاق على القطاعات الإنتاجية التي تمثل المصدر الحقيقي لتوليد فرص العمل المستدامة.

 

ويواجه ملايين المصريين واقعًا اقتصاديًا أكثر قسوة من الأرقام الرسمية المعلنة، إذ لا تعني الوظيفة بالنسبة لكثيرين سوى محاولة يومية للبقاء وسط موجات الغلاء المتلاحقة، بينما تتسع الفجوة بين بيانات الحكومة عن تحسن سوق العمل وبين معاناة المواطنين الباحثين عن دخل يكفي حياة كريمة.