أقرّ مجلس الشيوخ الفرنسي، الثلاثاء 5 مايو، مشروع قانون يهدف إلى مكافحة "التسلل الإسلامي" في فرنسا، الذي قدّمه برونو روتايو، وزير الداخلية السابق، ومرشح اليمينيين لانتخابات الرئاسة المقبلة. 

 

وحظي مشروع القانون بموافقة 208 أصوات مقابل 124، عقب جدل حادّ تمحور حول قضايا الأمن والإسلام والحريات المدنية. 

 

الإخوان المسلمون في فرنسا 

 

ويستند المشروع إلى فرضية تقول إن جماعة "الإخوان المسلمين" تعمل منذ عقود على إعادة تشكيل المجتمع الفرنسي عبر التغلغل داخل المدارس والجمعيات والفضاءات الرياضية والدينية، بهدف "فرض معايير دينية على حساب مبادئ الجمهورية".

 

وندد العديد من الباحثين والخبراء القانونيين بالتقرير ووصفوه بأنه تفسير مثير للذعر للديناميات الاجتماعية والدينية الفرنسية. 

 

فيما دافع روتايو عن النص الذي يعتبره ضروريًا في مواجهة استراتيجيات التأثير "المنظمة" المزعومة داخل النسيج الاجتماعي والتعليمي والمؤسسي. وقال رئيس الحزب الجمهوري: "بمجرد وجود تهديد موثق، يصبح من واجبنا التصرف بحزم وسرعة"، 

 

وحذر وزير الداخلية، لوران نونيز، أمام أعضاء مجلس الشيوخ، قائلاً: "إن تعريف التسلل قانونيًا ليس بالأمر السهل"، مشيرًا إلى نقاط الضعف الدستورية في بعض بنود النص، بما في ذلك تجريم "تقويض المبادئ الأساسية للجمهورية".

 

كما وجه نواب اليسار، الانتقادات لاذعة بشكل خاص. وندد السيناتور جيوم جونتارد، المنتمي لحزب الخضر، بـ "منطق الشك الدائم" و "سلسلة من الإجراءات القمعية" التي تنتهك الحريات المدنية.

 

ويُوسّع القانون المقترح نطاق صلاحيات حلّ الجمعيات، ويُعزّز الضوابط الإدارية والمالية، ويزيد من الرقابة على المنظمات التعليمية والثقافية والرياضية. كما يُسهّل تجميد الأصول والإغلاق الإداري.

 

لكن جوهر النص يكمن في مفهوم "التغلغل"، الذي يُفهم ويُقدم كاستراتيجية تقدمية للتأثير الأيديولوجي داخل المؤسسات والمجتمع المدني. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تتركز عليها معظم انتقادات المعارضين، الذين يستنكرون مفهومًا غامضًا وواسعًا ويصعب تحديده قانونيًا.

 

"يتجاوز بكثير الإطار البسيط لمكافحة الإرهاب"

 

ويرى عالم السياسة فرانسوا بورجات أن مشروع القانون يتجاوز بكثير الإطار البسيط لمكافحة الإرهاب أو التطرف. وعندما سألته وكالة أنباء "الأناضول" عن هذه القضية الشائكة، اعتبرها تتويجًا لتحول أعمق في النقاش السياسي الفرنسي.

 

وقال: ""من الضروري أولاً استذكار السياق السياسي الذي تم فيه اعتماد هذا التشريع: وهو التنافس الشديد بين تيارين يمينيين متطرفين في فرنسا: تيار المعارضة، الذي تجسده بشكل خاص مارين لوبان وإريك زمور، والتيار الحاكم، الذي لا يتجسد فقط في العديد من الشخصيات المتنافسة، بل يحظى بدعم أكبر من أعلى مستويات الدولة. هذا نتيجة لتصعيد داخل الجناح اليميني الحاكم. وهكذا، تبنى إيمانويل ماكرون صراحةً أجزاءً كاملة من الخطاب الذي وعد فيه، عام 2017، بحمايتنا".

 

ويعتقد مدير الأبحاث السابق في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي أن هذا التطور هو جزء من سلسلة سياسية جارية منذ عدة سنوات، بدءًا من خطاب مورو وقانون مكافحة الانفصالية وصولاً إلى حل التجمع المناهض للإسلاموفوبيا في فرنسا.

 

وأضاف: "كل شيء في الفريق الحاكم يشهد على أن هذا الانفصال التدريجي عن سيادة القانون بدأ منذ زمن طويل. ألم يشعر أحد الشركاء الرئيسين في السلطة، برونو روتايو، زعيم الجمهوريين، بالحاجة إلى التصريح، من وزارة الداخلية التي كان يشغلها آنذاك، بأنها "ليست غير ملموسة ولا مقدسة"؟".

 

المسلمون الفرنسيون والإلزام المستحيل

 

وبالنسبة لـ بورجات، فإن المنطق الحالي يضع المسلمين الفرنسيين في شكل من أشكال الإلزام المستحيل. ويشير إلى أنه "إذا انخرط مسلم في نضالات اجتماعية وسياسية في محاولة لتصحيح تجاوزات، فإنه سيكون مشتبهًا في "التسلل"، وإذا انصرف عنهم، فإنه سيُتهم بـ"الانفصالية".

 

كما يرفض الباحث فكرة أن الأحكام التشريعية الجديدة تستهدف أقلية متطرفة فقط، ويعتقد، على العكس من ذلك، "أنه ليس أقلية من المسلمين هي المستهدفة، بل الأغلبية الساحقة".
قراءة ما بعد استعمارية للنقاش الفرنسي

 

ويقدم بورجات قراءة سياسية وتاريخية عميقة للنقاش الفرنسي المحيط بالإسلام، موضحًا: "ليس المسلمون وحدهم المستهدفين بهذا الشكل من الانعزال الطائفي من قبل شريحة واسعة من نخبنا السياسية (وللأسف! من مجتمعنا أيضًا). فأحفاد المهاجرين الأفارقة، بغض النظر عن دينهم، هم هدف للتمييز والرفض نفسيهما".

 

ووفقًا له، "لا تكمن جذور هذا الشر في أي "تنافس بين الأديان" (فرنسا لم تعد متدينة بالفعل) بقدر ما تكمن في رد الفعل العكسي لعملية إنهاء الاستعمار التي لم يتقبل جزء من مجتمعنا عواقبها المبتذلة".

 

هستيريا "معادية للإسلام" في فرنسا

 

وتابع الباحث قائلاً: "إن الهستيريا "المعادية للإسلام" في فرنسا هي في الواقع، وبشكل أوسع، هستيريا "مناهضة لإنهاء الاستعمار". في رأيي، تكشف هذه الهستيريا عن الرفض غير العقلاني لعدد كبير من الفرنسيين للاندماج مجدداً في "القانون" العالمي المشترك للمساواة بين الشعوب، مما يكشف عن هذا الشعور بالتفوق العرقي الزائف المتجذر في مخيلتهم الاستعمارية".

 

كما يشكك بورجات بشكل مباشر في بعض التصريحات السابقة لبرونو روتايو "باعتبار أن كل شاب فرنسي ليس من السكان الأوروبيين يحمل في داخله، في "جذوره العرقية" التي يخاطر "بالتراجع" إليها، نوعًا من البربرية التي لا تتأثر "بحضارتنا".

 

وختم قائلاً: "في الواقع، لا يزال جزء كبير من قادتنا يعيش في جو ضيق ضمن دائرة ضيقة من النخبة البيضاء المهيمنة التي تشكل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ويرفض هؤلاء القادة بعناد مواجهة... الواقع، أي حالة الرأي العام العالمي السائدة في... الجمعية العامة لهذه المنظمة العظيمة".

 

وأنهى تصريحاته مقتبسًا عبارة من الصحفي الفلسطيني رامي أبو جاموس: "إن إنسانية حكامنا لها لون، أبيض، وجغرافيا، أوروبا".

 

https://www.yenisafak.com/fr/international/pour-francois-burgat-le-pouvoir-fabrique-un-ennemi-interieur-56516