كشفت مناقشات مجلس الشيوخ في مصر ، عودة ملف الغش الجماعي في امتحانات الثانوية العامة إلى الواجهة، بعد طلب مساءلة عن سياسة الحكومة في تأمين اللجان والحد من وسائل الغش الحديثة، رغم صدور القانون رقم 205 لسنة 2020 لمكافحة الإخلال بالامتحانات.

 

وتضع الأزمة وزارة التربية والتعليم أمام أصل المشكلة لا أمام عنوان برلماني عابر، لأن الغش لم يعد ورقة صغيرة داخل لجنة، بل شبكة تكنولوجية ومجتمعية تضرب العدالة بين الطلاب، وتمنح طالبًا شهادة بغير استحقاق، وتحرم طالبًا مجتهدًا من فرصة عادلة في الجامعة.

 

الغش الجماعي يحول الثانوية العامة إلى امتحان بلا عدالة

 

تبدأ المشكلة من أهمية الثانوية العامة نفسها، لأنها بوابة الالتحاق بالجامعة ومصدر ضغط هائل على الأسر، ولذلك يؤدي أي خلل في تأمين الامتحان إلى إفساد مسار تعليمي كامل، ولا تستطيع الوزارة أن تطلب من الطلاب الاجتهاد بينما تسمح للغش بأن ينافسهم داخل اللجان.

 

وبحسب ما طرح داخل مجلس الشيوخ، ساعد التطور التكنولوجي على انتشار وسائل غش حديثة تهدد نزاهة العملية التعليمية، لكن أصل الأزمة لا يقف عند الهاتف أو السماعة فقط، لأن الطالب يلجأ إلى الغش حين يرى النظام نفسه قائمًا على الرعب والدرجات والدروس الخصوصية.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتور كمال مغيث زاوية الجذور التعليمية للأزمة، لأنه سبق أن اعتبر الغش والتسريب مأساة متزايدة لا تعالج بإجراء واحد، وربط الظاهرة بضعف المدرسة واستنزاف الأسر في الدروس الخصوصية وتحول الثانوية إلى عنق زجاجة يقرر مصير الطالب.

 

لذلك تبدو إجراءات الوزارة الأمنية ناقصة قبل أن تبدأ، لأنها تتعامل مع الطالب عند باب اللجنة ولا تتعامل مع المنظومة التي صنعت سوق الغش، فالأسر تدفع للدروس، والطلاب يخافون من الدرجة، والمدرسة تفقد دورها، ثم تأتي الحكومة لتختصر الكارثة في تفتيش سريع.

 

كما أن الغش الجماعي يضرب مبدأ تكافؤ الفرص بطريقة مباشرة، لأن الطالب الذي يحصل على إجابات مسربة أو مساعدة جماعية لا ينافس بقدراته، بل ينافس بشبكة فساد، بينما يتحمل الطالب الملتزم النتيجة وحده، وهذا خلل أخلاقي وتعليمي لا يغطيه أي بيان رسمي.

 

التكنولوجيا سبقت الوزارة والقانون لم يوقف التسريب

 

استمرت الظاهرة رغم صدور القانون رقم 205 لسنة 2020 بشأن مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات، وهذا الاستمرار يكشف أن النص القانوني وحده لا يكفي، لأن شبكات الغش طورت أدواتها بسرعة أكبر من قدرة الوزارة على ضبط اللجان وتأمين الأسئلة وملاحقة المجموعات الرقمية.

 

ثم أظهرت مناقشات الملف أن الحكومة مطالبة بتوضيح إجراءاتها قبل امتحانات الثانوية العامة، لأن الحديث عن التأمين يتكرر كل عام، بينما تتجدد الشكاوى من تداول الأسئلة والإجابات عبر مجموعات الغش، وتنتقل الأزمة من لجنة إلى أخرى تحت عين وزارة تفضل الإعلان المتأخر.

 

وفي هذا الجزء، يخدم رأي الدكتور حسن شحاتة محور تصميم الامتحان نفسه، لأنه طرح أهمية تعدد نماذج الأسئلة المتكافئة وتوزيعها عشوائيًا، بما يضعف قدرة شبكات التسريب على تقديم إجابة واحدة صالحة لكل الطلاب في الوقت ذاته، ويجعل الغش أقل جدوى.

 

ومن ثم تحتاج الوزارة إلى تأمين يبدأ من غرفة وضع الأسئلة لا من عصا التفتيش فقط، لأن الورقة إذا خرجت موحدة وسهلة التداول أصبحت شبكات الغش قادرة على تحويلها إلى إجابات جاهزة، بينما يفرض تعدد النماذج وتصميم الأسئلة التطبيقية كلفة أعلى على المتلاعبين.

 

كذلك لا يثبت القانون قوته إلا بالمحاسبة المعلنة، لأن الطالب أو المراقب أو المسؤول الذي يشارك في الغش يجب أن يرى المجتمع أثر العقوبة فورًا، أما الاكتفاء بعبارات ضبط حالات فردية فيحوّل الجريمة إلى خبر موسمي وينهيها من دون تفكيك الشبكة التي صنعتها.

 

الأزمة المجتمعية أعمق من لجنة ومراقب وكاميرا

 

وتؤدي ظاهرة الغش الجماعي إلى تخريج طلاب غير مؤهلين لسوق العمل وتراجع الثقة في الشهادة، وهي نتيجة أخطر من نجاح طالب بلا حق، لأن المجتمع يستقبل لاحقًا خريجًا يحمل ورقة رسمية لا تعكس مستواه، ثم يدفع سوق العمل والجامعة والمريض والمواطن ثمن هذا الخلل.

 

وعلى هذا الأساس، يخدم رأي الدكتور تامر شوقي محور البعد المجتمعي للأزمة، لأنه اعتبر الغش في الثانوية العامة أزمة تهدد النزاهة وتكافؤ الفرص، وانتقد اختزال الحل في قطع الإنترنت، مؤكدًا أن الغش لا يبدأ من الشبكات وحدها ولا ينتهي بتعطيلها.

 

لذلك يصبح مطلب تأمين اللجان غير كاف إذا لم تربطه الوزارة بإصلاح أوسع، يشمل عودة الطلاب إلى المدرسة، وتحسين أوضاع المعلمين، وتقليل الاعتماد على الحفظ، ومراجعة نظام الامتحان عالي المخاطر الذي يجعل الأسرة كلها تحت ضغط سنة واحدة تقرر المستقبل.

 

وفي الوقت نفسه، يناقش مجلس الشيوخ ملفات أخرى تخص المدارس المصرية اليابانية وتطوير المطارات ومصر للطيران، لكن إدراج هذه الملفات إلى جوار الغش يكشف ازدحام جدول رسمي لا يعالج أصل الأزمة، لأن امتحانًا وطنيًا غير مؤمن ينسف أي حديث عن تطوير التعليم.

 

وبهذا المعنى، لا تحتاج الثانوية العامة إلى حملة علاقات عامة جديدة، بل تحتاج إلى إعلان واضح عن خطة التأمين، وعدد اللجان عالية الخطورة، وآلية اختيار المراقبين، ونظام تدوير رؤساء اللجان، وطريقة تتبع مصدر التسريب، وإجراءات حماية الطلاب الذين يرفضون الغش داخل بيئة ضاغطة.

 

أما الخاتمة التي لا تستطيع الوزارة الهروب منها، فهي أن الغش الجماعي صار مرآة لفشل إدارة التعليم لا انحرافًا فرديًا معزولًا، فالقانون موجود منذ 2020، والحديث عن التكنولوجيا يتكرر كل عام، والطلاب ينتظرون امتحانًا عادلًا، بينما تظل الحكومة تتحرك بعد تفاقم المشكلة لا قبلها.