كشفت أسواق محلية، قبيل أيام من عيد الأضحى 2026، عن قفزة حادة في أسعار الأضاحي، بعدما تراوح كيلو البقري القائم بين 200 و250 جنيهًا، ووصل الضأن الأعلى جودة إلى 280 جنيهًا، لتتحول الأضحية من شعيرة اجتماعية واسعة إلى عبء مالي يعجز عنه ملايين المواطنين.

 

تضع هذه الأسعار الأسر المصرية أمام مشهد قاس صنعته سياسات حكومة رفعت كلفة الأعلاف والنقل والطاقة وتركت صغار المربين يخرجون من السوق، بينما يواجه المواطن عيدًا جديدًا لا تسأل فيه السلطة عن قدرته على الذبح ولا عن دخله الذي تآكل أمام الغلاء.

 

قفزة 400% تكشف انهيار القدرة على شراء الأضحية

 

تؤكد مقارنات السوق أن أسعار الأضاحي قفزت خلال 5 سنوات من حدود 60 جنيهًا للكيلو القائم في 2021 إلى أكثر من 200 جنيه في 2026، وهي زيادة تقارب 400% وتكشف أن الأزمة ليست موسمية مرتبطة بالعيد فقط، بل نتيجة تراكم طويل في كلفة الإنتاج والتسعير.

 

وبحسب الأسعار المتداولة في المحافظات، سجل البقري الذكور بين 200 و250 جنيهًا للكيلو القائم، بينما سجلت الإناث بين 170 و180 جنيهًا، وتراوحت العجول الجاموسي بين 165 و170 جنيهًا، وهو ما رفع تكلفة الأضحية المتوسطة إلى مستوى يفوق دخل شهور كاملة لكثير من الأسر.

 

كما امتدت القفزة إلى الخراف، إذ تراوح الكيلو القائم بين 230 و250 جنيهًا، وصعد في الأنواع الأعلى جودة إلى 280 جنيهًا، بينما تراوحت أسعار الماعز والجمال وفق الوزن والعمر، ووصل الجمل الكامل إلى ما بين 100 و150 ألف جنيه تقريبًا.

 

ويربط الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أزمة اللحوم بنقص الأعلاف وأمراض الماشية وتراجع المياه اللازمة للتربية، وهو تشخيص يضع أصل الأزمة في فشل إدارة ملف الإنتاج لا في جشع موسمي عابر، لأن المربي لا يستطيع البيع بسعر منخفض بعد ارتفاع مدخلاته الأساسية.

 

الأعلاف والدولار يطردان صغار المربين من السوق

 

تبدأ أزمة السعر من الحظائر قبل أن تصل إلى شوادر العيد، حيث رفعت الأعلاف والطاقة والنقل تكلفة تربية الماشية، ثم جاءت تقلبات سعر الصرف وأزمات الاستيراد لتزيد الضغط على المنتج المحلي، بينما تركت الحكومة صغار المربين يواجهون السوق بلا حماية جدية.

 

لذلك خرج عدد من صغار المربين من دورة الإنتاج، وانخفض المعروض المحلي من الماشية، ووجد التجار مساحة أوسع لرفع الأسعار مع اقتراب موسم الطلب، فانتقلت الأزمة من تكلفة إنتاج مرتفعة إلى ندرة نسبية تضغط على المواطن في لحظة مرتبطة بشعيرة دينية واجتماعية.

 

ويقول الخبير الزراعي نادر نور الدين إن ارتفاع أسعار الأعلاف يرتبط مباشرة بالدولار، لأن مصر تعتمد على استيراد الذرة الصفراء وفول الصويا، وهما أساس صناعة العلف، كما تمثل الأعلاف بين 65% و75% من تكلفة إنتاج اللحوم والدواجن والأسماك.

 

ومن هنا يصبح حديث الحكومة عن ضبط الأسواق ناقصًا، لأن ضبط سعر الأضحية لا يبدأ من حملة تموينية قبل العيد، بل يبدأ من زراعة الأعلاف ودعم المربين ومراقبة سلاسل التوريد، وهي حلقات تركتها السلطة تتآكل حتى دفع المواطن ثمنها عند الشراء.

 

حلول الأسر تكشف انسحاب الدولة من الحماية الاجتماعية

 

تدفع هذه القفزة الأسر إلى تغيير أنماط الاستهلاك، فتلجأ عائلات إلى الاشتراك الجماعي في أضحية واحدة، وتكتفي أسر أخرى بشراء كميات صغيرة من اللحوم، بينما تسقط شريحة أوسع من حسابات الذبح بالكامل، لأن تكلفة الأضحية تنافس الإيجار والكهرباء والغذاء والعلاج.

 

وبذلك لم تعد الأزمة سؤالًا عن سعر كيلو قائم فقط، بل سؤالًا عن دولة جعلت الدخل الشهري عاجزًا عن ملاحقة أساسيات الحياة، ثم تركت مناسبة العيد تكشف الفجوة بين الخطاب الرسمي عن الاستقرار وبين واقع أسرة تحسب اللقمة قبل الشعيرة.

 

ويرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن أزمة السلع الاستراتيجية تحتاج إلى إعادة نظر في نمط الاستيراد والسياسات المرتبطة بالدولار، وقد طرح سابقًا ترشيد الواردات في سلع مثل اللحوم والقمح والسكر، وهو طرح يكشف خطورة ترك الغذاء رهينة لسعر العملة والأسواق الخارجية.

 

في المقابل، لا يكفي التوسع في الاستيراد لكبح الأسعار إذا ضرب المنتج المحلي وأضعف المربين، لأن السوق ستعود إلى الغلاء كلما تحرك الدولار أو ارتفعت كلفة الشحن والطاقة، بينما يبقى المواطن محاصرًا بين لحم مستورد غال وإنتاج محلي يتراجع تحت ضغط التكلفة.

 

وتنتهي أزمة أضاحي 2026 إلى خلاصة واضحة، فالحكومة التي تفشل في حماية العلف والمربي والدخل لا تستطيع حماية شعيرة العيد، والأسعار التي تجاوزت 200 جنيه للكيلو القائم ليست رقمًا في السوق فقط، بل شهادة على سياسة دفعت المصريين إلى تقليص الفرح واللحم معًا.