أعلنت وزارة الداخلية تنظيم الملتقى الرابع لبرنامج التعايش بين طلبة كلية الشرطة وطلبة جامعات أهلية، تنفيذًا لتوجيهات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، بمشاركة جامعات المنوفية الأهلية وأسيوط الأهلية والصالحية الأهلية والجلالة والمصرية للتعليم الإلكتروني، فجاء البرنامج كخطوة جديدة في إدخال الجامعة إلى مساحة الضبط الأمني لا الاستقلال الأكاديمي.
كشفت الفعاليات أن السلطة لا تتعامل مع الطالب باعتباره صاحب عقل حر داخل جامعة مستقلة، بل باعتباره مادة قابلة للتشكيل داخل ميادين الشرطة ومحاضرات الأمن ومراكز الإصلاح، بما يخدم مشروعًا واضحًا لتطويع الشباب وإضعاف فكرة المعارضة ووصم الإسلاميين والمعارضين باعتبارهم خطرًا يجب عزله قبل أن يتحول إلى رأي سياسي.
من الجامعة إلى الأكاديمية.. تحويل الطالب إلى متدرب أمني
بعد انطلاق البرنامج، بدأت وزارة الداخلية فعاليات المعايشة بالكشف الطبي على الطلاب المشاركين للتأكد من لياقتهم الصحية، ثم نقلتهم إلى أنشطة بدنية ورياضية يؤديها طلبة كلية الشرطة، وهو ترتيب يكشف أن الدولة لا تقدم نشاطًا جامعيًا عاديًا، بل تدخل الطلاب إلى نموذج انضباطي يبدأ من الجسد قبل الفكرة.
في المقابل، لا تقف المشكلة عند زيارة تعليمية لأكاديمية الشرطة، لأن البرنامج ضم تدريبات دفاع عن النفس ومشاركات بدنية جماعية داخل بيئة شرطية، وهذه الأنشطة تنقل الطالب من مساحة الجامعة المفتوحة إلى نموذج الطاعة والتنفيذ، وتدفعه إلى اختبار السلطة الأمنية بوصفها قدوة لا جهازًا خاضعًا للمساءلة.
لذلك، يصبح حضور جامعات أهلية عدة داخل البرنامج مؤشرًا على توسيع التجربة لا على محدوديتها، لأن مشاركة المنوفية الأهلية وأسيوط الأهلية والصالحية الأهلية والجلالة والمصرية للتعليم الإلكتروني تعني أن السلطة تختبر مدخلًا مؤسسيًا لإعادة ضبط المجال الجامعي من خارج قاعات الدراسة ومجالس الطلاب.
وهنا يخدم رأي محمد أبو الغار هذا المحور بوضوح، لأنه أكد من قبل حق الطلاب في ممارسة الأنشطة داخل الجامعة دون رقابة من أي جهة، وحقهم في التظاهر والإضراب السلمي للتعبير عن آرائهم، وهي قاعدة تهدم منطق تحويل الطالب إلى تابع في معسكر تدريبي.
بناء على ذلك، لا يمكن فصل هذا الملتقى عن تاريخ طويل من الصراع حول استقلال الجامعة، لأن حركة 9 مارس دافعت عن خروج الأمن من الحرم الجامعي، بينما يعيد النظام الحالي إدخال الطالب نفسه إلى الحرم الأمني، في صيغة أكثر نعومة لكنها أشد خطرًا على وعي الشباب.
تدريبات المداهمات والمحاكاة تنقل عقلية الأمن إلى الحياة الجامعية
ثم انتقلت الفعاليات إلى تدريبات ميدانية على المداهمات الأمنية داخل ميادين التدريب المتطورة بالأكاديمية، وهو تفصيل لا يخص التوعية العامة ولا بناء الثقافة المدنية، لأن المداهمة فعل أمني صدامي، وإدخال طلاب جامعات غير شرطية إلى هذا المجال يزرع تصورًا عدائيًا للعلاقة بين الدولة والمجتمع.
وعلى هذا الأساس، تكشف زيارات ميادين المحاكاة والتدريب على التعامل مع مسارح الجريمة أن البرنامج يوسع مخيال الطالب الأمني، لأن الجامعة كان يفترض أن تعلم البحث والنقد والحوار، بينما تقدم الداخلية للطلاب مشاهد الجريمة والاقتحام والاشتباه باعتبارها مدخلًا لفهم الدولة والمواطنة.
كذلك، يضيف التدريب على ركوب الخيل طابعًا استعراضيًا إلى البرنامج، لأن هذه المهارة الشرطية المتخصصة لا ترتبط بحاجة الطالب الجامعي، لكنها تخدم صورة المؤسسة الأمنية بوصفها عالمًا كاملًا من القوة والانضباط والامتياز، في مقابل جامعة يجري تجريدها من دورها السياسي والفكري المستقل.
وفي هذا السياق، يخدم رأي عمرو حمزاوي هذا المحور لأنه كتب عن حكم أمات السياسة في مصر وأحل سطوة اليد القمعية محلها، وهذه القراءة تشرح وظيفة البرنامج داخل المجال الجامعي، إذ لا تترك السلطة المعارضة تنشأ طبيعيًا بل تسبقها بخطاب أمني يحدد المسموح والممنوع.
من ثم، تبدو محاضرات المشروعات القومية واستراتيجية وزارة الداخلية في حفظ الأمن ومواجهة الشائعات جزءًا من هندسة الوعي، لأن الطالب لا يسمع خطابًا مفتوحًا عن السياسات العامة، بل يتلقى رواية الدولة عن نفسها داخل مؤسسة أمنية، حيث تتحول الشكوك والأسئلة إلى شائعات يجب تحصين الشباب ضدها.
مركز الإصلاح والقرية المرورية وصناعة رواية واحدة عن الدولة
في المرحلة التالية، شملت الفعاليات محاضرات عن مخاطر المخدرات وسبل الوقاية منها، إلى جانب زيارات للمكتبات والمرافق الترفيهية ونوادي الطلبة والقرية المرورية التدريبية، وهذه الأنشطة تبدو خدمية في ظاهرها، لكنها تأتي داخل حزمة واحدة تقود الطالب من الترفيه إلى الانضباط إلى قبول الرواية الأمنية.
إضافة إلى ذلك، جاءت زيارة مركز الإصلاح والتأهيل 15 مايو لتقدم للطلاب نسخة رسمية عن السجون تحت عنوان المنظومة الحديثة، حيث شاهدوا المركز الطبي والمرافق التأهيلية والبرامج الإصلاحية ومصانع الإنتاج والمزارع الزراعية والسمكية وعروضًا فنية للنزلاء، بينما تغيب أي مساحة مستقلة لسؤال الحقوق والرقابة والمحاسبة.
ومن هذه الزاوية، يخدم رأي نادر فرجاني هذا المحور حين ربط تقدم التعليم بإطلاق الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير والتنظيم السياسي، لأن الجامعة التي تدخل الطالب إلى برنامج أمني مغلق لا تنتج معرفة حرة، بل تنتج قبولًا مسبقًا بخطاب السلطة ومؤسساتها.
كذلك، تكشف زيارة الإدارة العامة لشرطة البيئة والمسطحات ومتابعة مجرى نهر النيل بالتقنيات الحديثة أن الداخلية تريد إظهار نفسها كجهاز حاضر في كل مساحة، من الجامعة إلى المرور إلى البيئة إلى السجون، وهذا الحضور الشامل يرسخ لدى الطالب أن الدولة تعني الأمن قبل الحقوق والسياسة والمجتمع.
وبالتالي، لا يبدو تكريم الطلبة المتميزين في ختام أسبوع التعايش مجرد لفتة احتفالية، لأن التكريم يمنح النموذج الأمني جائزة رمزية داخل عقل الطالب، ويقول له إن التفوق المطلوب ليس مساءلة السلطة أو الدفاع عن الجامعة، بل الاندماج في مسار تضعه الداخلية باسم الأمن والتنمية.
ختامًا، يكشف ملتقى التعايش الرابع أن حكومة السيسي لا تكتفي بالسيطرة على السياسة والإعلام، بل تتحرك نحو الجامعة باعتبارها آخر مساحة يمكن أن تنتج سؤالًا أو اعتراضًا أو انحيازًا لقضية عامة، وحين يدخل الطالب إلى ميدان المداهمة ومركز الإصلاح قبل أن يدخل نقاشًا حرًا، فإن الدولة لا تبني جيلًا واعيًا بل تصنع جيلًا مروضًا.

