ثارت حالة من الجدل البرلماني في الجلسة العامة لمجلس النواب اليوم الثلاثاء التي ناقشت قرار قائد الانقلاب الخاص بالموافقة على الخطابات المتبادلة بين مصر واليابان لتنفيذ الشريحة الرابعة من المرحلة الأولى للخط الرابع لمترو أنفاق القاهرة الكبرى، بينما جاء القرار وسط جلسات موازية تراجع الحساب الختامي للموازنة وتفتح ملف الدين العام، بما يجعل النقاش أبعد من مشروع نقل جديد فقط.
وأظهرت أجندة البرلمان أن الحكومة تتحرك في مسارين متزامنين، مسار يطلب تمرير تمويل خارجي لمشروع بنية تحتية كبير، ومسار آخر يراجع حجم الدين وسقفه وهيكله وأعباء السداد، وهذا التزامن يضع السلطة التنفيذية أمام سؤال مباشر عن جدوى الاقتراض، وعن قدرة الموازنة على تحويل القروض إلى خدمة عامة حقيقية لا إلى عبء جديد على المواطنين.
قرض المترو يعود إلى البرلمان وسط أسئلة الدين العام
أوضح قرار الشريحة الرابعة أن المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو القاهرة الكبرى ترتبط بتمويل ياباني جديد، بعدما وقعت مصر واليابان في سبتمبر 2025 الخطابات المتبادلة الخاصة بالمشروع، وقد أعلنت السفارة اليابانية أن التمويل يستهدف إنشاء خط مترو في جنوب غرب القاهرة الكبرى، بين مدينة السادس من أكتوبر ومركز القاهرة.
ويكشف إدراج القرار على جدول الجلسة العامة أن البرلمان لا يناقش مجرد إجراء بروتوكولي، لأن الموافقة على شريحة تمويلية جديدة تعني إضافة التزام مالي طويل الأجل إلى سجل الدولة، كما تعني أن الحكومة مطالبة بتقديم تفسير واضح لكلفة المشروع ومواعيد التنفيذ والعائد الاجتماعي قبل الاكتفاء بعبارات تحسين النقل وتخفيف الزحام.
كما يرى الخبير الاقتصادي ممدوح الولي أن خطورة التوسع في الاقتراض لا تقاس فقط بحجم القرض، بل بطريقة استخدامه وقدرة المشروع على توليد منفعة اقتصادية واجتماعية، ولذلك يصبح قرض المترو مقبولا فقط إذا ارتبط بجدول تنفيذ معلن وشفافية في التكلفة وسعر التذكرة وحجم الدعم المتوقع بعد التشغيل.
وفي ظل هذا الطرح، لا يستطيع البرلمان الفصل بين قرض المترو واجتماع اللجنة الاقتصادية بشأن الدين العام، لأن القرض الجديد يدخل في بنية تمويلية أوسع تتضمن مصادر الدين المحلي والخارجي ومتطلبات السداد، كما أن استمرار تمرير القروض دون تقييم صارم يحول المشروعات الخدمية إلى واجهة مريحة لسياسة مالية مرهقة.
مشروع نقل مهم لكن الرقابة أهم من الخطابات الرسمية
ويكشف ملف الخط الرابع أن المشروع يحمل أهمية عملية داخل القاهرة الكبرى، إذ تشير بيانات وزارة النقل المنشورة عند توقيع التمويل إلى أن الخط يبلغ طوله 46,5 كيلومترا، ومن المتوقع أن ينقل بعد اكتماله نحو 1,5 مليون راكب يوميا، كما يخدم مناطق الهرم وفيصل والعمرانية والجيزة ومدينة نصر والقاهرة الجديدة.
وكان وزير النقل الأسبق هشام عرفات قد أكد في مواقف سابقة أن مشروعات المترو تمثل العمود الأكثر كفاءة في النقل الحضري الكثيف، غير أن قيمة هذا التوجه لا تتحقق بمجرد الحفر والإنشاء، بل تتحقق عندما ترتبط الشبكة بتكامل حقيقي مع الحافلات والمواقف وخطط العمران وأسعار تناسب دخل المستخدمين.
وفي موازاة أهمية المشروع، تكشف التجربة المصرية أن مشروعات النقل لا تفشل غالبا بسبب الفكرة نفسها، بل بسبب غياب الشفافية في التكلفة النهائية وتعدد الجداول الزمنية وتأخر التشغيل، لذلك يجب أن يطلب النواب من الحكومة بيانا محددا عن ما أُنجز في المرحلة الأولى وما تبقى منها وحجم الالتزامات بعد الشريحة الرابعة.
ويؤكد هذا السياق أن الخط الرابع لا يمكن تسويقه بوصفه إنجازا مستقلا عن أزمة الموازنة، لأن المشروع يدخل حياة الناس من باب الخدمة اليومية، ويدخل حسابات الدولة من باب الدين والسداد، وبين البابين يجب أن تظهر الرقابة البرلمانية لا أن تكتفي بتأييد الخطابات المتبادلة ثم انتظار أرقام جديدة في حساب ختامي لاحق.
الحساب الختامي يكشف نتيجة السياسة لا نواياها
تناول مجلس النواب لتقرير لجنة الخطة والموازنة بشأن الحساب الختامي لموازنة 2024/2025 أشار إلى أن الجلسة لا تقف عند مناقشة تمويل المترو، بل تمتد إلى تقييم كفاءة الإنفاق العام ونتائج تنفيذ الموازنة، وهذا المسار الرقابي يفترض أن يوضح أين ذهبت الموارد وما الذي تحقق فعليا من المشروعات والخدمات.
ويرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن الحسابات الختامية تكشف حقيقة الأولويات أكثر مما تكشفه بيانات الموازنة عند إقرارها، لأن الإنفاق الفعلي يوضح ما إذا كانت الحكومة وجهت المال إلى الصحة والتعليم والبنية الأساسية المنتجة، أم واصلت تحميل الخزانة التزامات كبيرة دون أثر كاف على مستوى المعيشة.
ولفت إلى أن إحالة 25 تقريرا من لجنة الاقتراحات والشكاوى إلى الحكومة يشير إلى اتساع الفجوة بين احتياجات المحافظات وما يصل إليها من خدمات، فالمطالب شملت كباري ومطالع طرق وشبكات مرافق ومستشفيات ومدارس ومكاتب شهر عقاري ومراكز شباب، وهذا التنوع يعني أن الأزمة ليست في مشروع واحد بل في ترتيب الإنفاق العام كله.
وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن الاقتراض يمكن أن يكون أداة تنموية عندما يذهب إلى مشروع منتج أو خدمة تقلل كلفة الحياة والعمل، لكنه يتحول إلى خطر عندما تتراكم أقساطه وفوائده فوق موازنة تعاني ضغطا واسعا، لذلك تحتاج الحكومة إلى إعلان أثر كل قرض على المواطن لا على الخطاب الرسمي فقط.
وأخيرا تؤكد هذه الخلاصة أن جلسة البرلمان اليوم وضعت ثلاثة ملفات في خط واحد، قرض جديد للمترو، ومراجعة للدين العام، وحساب ختامي للموازنة، وهذه الملفات لا تنفصل عن بعضها لأن القرار يبدأ بتمويل معلن، ثم يتحول إلى التزام سداد، ثم يظهر أثره في الحساب الختامي، وإذا غابت الرقابة الجادة سيدفع المواطن كلفة القرار مرتين، مرة في الدين ومرة في الخدمة الناقصة.

