طرح إعلاميون موالون للأجهزة الأمنية في مصر دعوات إلى إسقاط الديون عن مصر، في تكرار لسيناريو إسقاط ديون مصر بعد حرب الخليج، وذلك عندما أعفت الولايات المتحدة مصر من ديون عسكرية بلغت 7.1 مليار دولار عام 1991، عقب مشاركتها في التحالف الدولي لتحرير الكويت بعد حرب الخليج الثانية.
كما أعلنت دول خليجية، من بينها السعودية والكويت والإمارات، شطب ديون مستحقة على مصر بنحو 6 مليارات دولار، فيما قرر "نادي باريس" إعفاء مصر تدريجيًا من نصف ديونها التي تجاوزت 20 مليار دولار آنذاك.
وسبق هذه الدعوات طلب وزير الخارجية بدر عبدالعاطي من نظيره الأمريكي ماركو روبيو، في اتصال بينهما في نهاية مارس الماضي، دعمًا ماليًا “عاجلاً” لمواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية على الاقتصاد المصري.
تكرار سيناريو إسقاط الديون
وقال موقع "الحرة" إنه مع هذه الدعوات، يبرز تساؤل رئيس حول مدى واقعية تكرار سيناريو إسقاط الديون في الظرف الدولي والإقليمي الحالي، ومدى استعداد الأطراف الدولية لتقديم دعم مماثل.
وبلغت تكاليف خدمة الدين نحو 50.2 في المائة من إنفاق حكومة الانقلاب في موازنة 2025-2026.
وأدى ذلك إلى تراجع كبير في الإنفاق على الصحة والتعليم كنسبة من الناتج المحلي في مصر، وهي أيضًا نسب لا تتفق مع ما حدده الدستور المصري عام 2014 بإنفاق 4 في المائة من الناتج القومي الإجمالي على التعليم و3 في المائة على الصحة.
كما أدت الديون إلى خفض الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية، ما أدى إلى زيادة نسب الفقر والتي وصلت إلى 32.5 % في 2019-2020، وهي آخر بيانات رسمية مصرية، حيث توقفت الحكومة عن نشر تقرير الدخل والإنفاق الذي يعده الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء منذ سنوات.
ارتفاع كبير في حجم الأعباء
وتقول الدكتورة شيرين الشواربي عميد كلية السياسة والاقتصاد وإدارة الأعمال في جامعة مايو لـ"الحرة" إن "الدين الخارجي أصبح عبئًا حقيقيًا على الاقتصاد، إذ تشير البيانات إلى أنه تجاوز 163 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، بعد أن كان في حدود 46 مليار دولار فقط نهاية العام المالي 2013-2014 بحسب بيانات البنك المركزي، وهو ما يعكس ارتفاعًا كبيرًا في حجم الأعباء".
وما بين يناير وسبتمبر 2026 مطلوب من الحكومة المصرية سداد ديون خارجية تقدر بـ50.8 مليار دولار بعضها ودائع لدى النبك المركزي، وفقًا لجدول استحقاقات الدين الخارجي الصادر عن البنك الدولي في يناير الماضي.
وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أكد في بداية العام الجاري أن الحكومة تعمل مع البنك المركزي على خفض نسبة الدين للناتج المحلي إلى أقل نسبة لها منذ 50 عامًا. مما أثار جدلاً، قبل أن يؤكد لاحقًا أنه يعني النسبة للناتج المحلي وليس الرقم الإجمالي للديون، من دون أن يتم الإعلان عن جديد بهذا الشأن حتى وقت كتابة التقرير.
وشرح الدكتور بيار الخوري، مدير مركز السياسات والاستشراف المعرفي بلبنان توزيع الدائنين قائلاً "هناك مؤسسات مالية دولية ومتعددة الأطراف وديون للدول عربية، وديون لدول نادي باريس، وأخرى للصين، وهي خارطة ديون تمثل ضغوطًا سياسية متداخلة المراكز، وتصعّب عملية التعامل معها".
الإعفاء الصعب من الديون
ويرى مراقبون أنه من الصعب أن تقوم الدولة المصرية بالتفاوض مع كل هذه الجهات والدول من أجل الإعفاء من بعض الديون، خصوصًا مع دين خارجي يتصاعد كل فترة، وأن ما يحدث لتثبيته عند حد معين هو عملية إحلال للدين، أي الاستدانة لسداد دين قديم وهكذا. ويستبعدون كذلك تكرار "سيناريو إسقاط الديون" عام 1991.
وتشير الشواربي، الخبيرة السابقة في مكتب البنك الدولي في القاهرة بين 2001 إلى 2013، إلى أن "إسقاط المديوينة الخارجية لمصر في التسعينيات تم من خلال دائنين من دول ومؤسسات دولية، بينما يختلف الوضع حاليًا؛ إذ إن الجزء الأكبر من الديون لم يعد مستحقًا لدول، بل أصبح في صورة سندات وأذون خزانة يمتلكها مستثمرون متنوّعون من شركات ومؤسسات مالية".
وتابعت: "في السابق، لعب نادي باريس دورًا مهمًا في إعادة هيكلة الديون، بينما تمثل نسبة ديون مصر إلى الدول حاليا ما يقارب 13 إلى 20% من إجمالي الدين الخارجي".
وتلجأ الدول المدينة، في بعض الأحيان، إلى إعادة جدولة الديون، بما في ذلك تمديد فترات السداد أو خفض الفوائد.
وبحسب الشواربي فإن واشنطن "قد تتدخل لتضغط في تلك الناحية، إذا كان الإجراء يخدم مصالحها، إلا أن هناك تخوفات، خاصة أن هذه الديون مرتبطة بصندوق النقد الدولي، وهي أرقام لا تتجاوز نحو 12 مليار دولار من الرقم الإجمالي للديون، والصندوق لا يملك إعادة الهيكلة إلا ضمن حزمة إصلاحات جديدة، تكون غالبًا انكماشية نتيجة تخفيض العملة ورفع الدعم وزيادة أسعار الفائدة".
وأكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس، أن "تركيبة الدين الخارجي المصري تختلف جذريا عن وضعها بعد حرب الخليج، وهو ما ينعكس على إمكانية التعامل مع هذا الدين، سواء عبر الإسقاط أو إعادة الهيكلة".
وأضاف أن "فكرة إسقاط الديون ترتبط أساسا بحجم الديون الثنائية، أي تلك المستحقة لدول بعينها، مثل بريطانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة، حيث يكون القرار في هذه الحالة سياسيا بالدرجة الأولى، ويمكن أن يشمل تخفيض الدين أو إسقاطه، وهو النموذج الذي حدث بعد حرب الكويت، عندما شكّلت الديون الثنائية نحو 60% من إجمالي الدين الخارجي".
تحسن النمو
وعلى الرغم من الديون الخارجية، إلا أن هناك جوانب إيجابية يشير إليها الخوري تتمثّل في تحسّن النمو إلى 4.4% في السنة المالية 2024/2025، وتراجع التضخم إلى 11.9% في يناير 2026، مع تحقيق فائض أولي في الموازنة بلغ 3.5% من الناتج الإجمالي في 2024/25، بحسب صندوق النقد الدولي.
وأكدت الشواربي أن "مصر ملتزمة دائما بسداد ما عليها من ديون، حتى مع الظروف الاقتصادية العالمية التي تؤثر سلبًا على تدفقات النقد الأجنبي، ما يدفع أحيانًا إلى اللجوء لاقتراض جديد لسداد التزامات قائمة".
ويرى الخوري أن "الاستقرار المالي لمصر يعتمد على ثلاثة عوامل هي: استمرار الدعم الخليجي، وثقة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلي ( حوالي 30 مليار دولار)، وتجنب صدمات خارجية جديدة".
ويعتبر أن الحل الأكثر واقعية من "الإعفاء من الديون" هو "لمبادلة الصامتة بتحويل ودائع خليجية إلى استثمارات مباشرة، مثل نموذج مشروع رأس الحكمة، أو استخدام أدوات البنك الدولي لتحويل الديون بالعملة الأجنبية إلى عملة محلية أو أدوات دين أقل مخاطرة، على غرار تجارب الفلبين وإندونيسيا وكولومبيا.
ويحذر خبراء من من تعقيدات تجعل من سيناريو الإعفاء الشامل خيارًا غير مرجح في الوقت الراهن، مما يستدعي البحث عن حلول أخرى أكثر واقعية.

