تحول إطلاق مشروع ذا سباين إلى مواجهة علنية بين خطاب حكومي يحتفي بالأبراج الفاخرة، وواقع اجتماعي يعاني فيه المصريون من أزمة سكن وأسعار وتراجع دخل.
أظهر الاحتفال الرسمي بالمشروع أن حكومة مصطفى مدبولي تمنح العقار الفاخر أولوية سياسية وإعلامية، بينما تترك السكن المناسب والقطاعات الإنتاجية خارج مركز القرار الاقتصادي.
احتفال رسمي بمشروع فاخر وسط أزمة سكن واسعة
في 18 أبريل 2026، حضر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إطلاق مشروع ذا سباين الذي تطوره مجموعة طلعت مصطفى في شرق القاهرة، وقدمته الحكومة باعتباره مشروعا عمرانيا ضخما باستثمارات تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، وبشراكة معلنة مع البنك الأهلي المصري.
وبعد ذلك، قالت مجموعة طلعت مصطفى إن المشروع يمثل أول مدينة معرفية، وإنه يستهدف جذب الشركات العالمية والمستثمرين، بينما عرضت الشركة المشروع باعتباره منصة اقتصادية متكاملة لا مجرد مجمع سكني، وهو وصف زاد الفجوة بين الخطاب الرسمي واحتياجات المواطنين اليومية.
كما أعلن مدبولي أن المشروع يوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل، ويحقق عوائد ضريبية ضخمة، وتحدثت البيانات المنشورة عن مساهمة تقارب 1% من الناتج المحلي، وهو خطاب استخدمته الحكومة لتبرير الاحتفاء بمشروع لا يخاطب السكن المتوسط أو محدودي الدخل.
وفي المقابل، أوضح هشام طلعت مصطفى أن ذا سباين يضم 165 برجا سكنيا وإداريا وفندقيا، وأن المشروع يوفر 55 ألف فرصة عمل مباشرة و100 ألف فرصة غير مباشرة، بينما يمتد التنفيذ لسنوات داخل نطاق مدينتي بشرق القاهرة.
وبسبب هذا الطرح، أثار المشروع غضبا واسعا لأن الحكومة بثت افتتاحه بوصفه إنجازا وطنيا، بينما لا يستطيع جزء كبير من المواطنين الوصول إلى وحدة سكنية مناسبة، ولا تملك الحكومة خطة واضحة لربط هذا النوع من الإنفاق بحل أزمة السكن الفعلية.
أرقام تريليونية بلا تعريف واضح للاستثمار
ومع تصاعد الجدل، ركزت الانتقادات على رقم 1.4 تريليون جنيه، لأن الحكومة قدمته باعتباره استثمارات، بينما رأى محللون أن الرقم أقرب إلى إجمالي مبيعات متوقعة على مدى عمر المشروع، وليس رأس مال فعلي يدخل الاقتصاد دفعة واحدة.
وفي هذا السياق، قال المحلل الاقتصادي والأكاديمي ياسر حسان إن مصطلح إجمالي الاستثمارات يفتقر إلى تعريف دقيق، وإن الخطاب الرسمي يخلط بين قيمة المبيعات المتوقعة ورأس المال المستثمر، بما يؤدي إلى تضخيم الصورة المقدمة للجمهور.
كما اعتبر حسان أن مرور رقم 1.4 تريليون جنيه أمام رئيس الحكومة من دون شرح كاف يطرح سؤالا مباشرا عن دقة الأرقام الرسمية، لأن الجمهور لا يعرف إن كان الرقم يعبر عن تكلفة تنفيذ أو قيمة بيع أو حجم تمويل فعلي.
وبناء على ذلك، تبدو أرقام فرص العمل والزوار والعوائد الضريبية جزءا من حملة ترويجية حكومية أكثر من كونها بيانات قابلة للتحقق العام، خاصة أن المشروع يقام داخل نطاق عمراني تديره الشركة نفسها منذ سنوات طويلة من دون تحقيق نتائج مماثلة معلنة.
ثم جاءت تقديرات المبيعات الإجمالية عند حدود 1.7 تريليون جنيه لتؤكد أن المشروع يعتمد على بيع مستقبلي طويل الأجل، بينما يظل رأس المال الفعلي أقل من الرقم الدعائي، ويجري تمويل التنفيذ من مقدمات الحجز والقروض والشراكات المصرفية.
البنوك الحكومية تدخل العقار وتترك الإنتاج
وبالتوازي مع الجدل الرقمي، كشفت صحيفة العربي الجديد أن تسويق الحكومة للمشروع يرتبط بتبرير مشاركة البنك الأهلي الحكومي في رأس المال، بينما لم تكشف الجهات المعنية تفاصيل رأس المال المصدر أو المستثمر بصورة تسمح برقابة عامة واضحة.
وبحسب مصادر مصرفية نقلتها الصحيفة، فإن تحديد حصة البنك الأهلي عند 24% من دون إعلان كاف للتفاصيل يفتح بابا لتعتيم الرأي العام، خاصة أن المشروع يجري تكييفه كجزء من مدينتي لا ككيان مستقل واضح المعالم.
كما قالت المصادر نفسها إن الهدف يرتبط بتحويل مديونيات حصلت عليها مجموعة طلعت مصطفى من البنك الأهلي خلال الأعوام الأربعة الماضية، والتي قدرت بنحو 30 مليار جنيه، إلى سيولة يحتاجها المشروع الجديد لتنفيذ مراحله.
وفي هذا الموضع، يصبح دخول بنك حكومي شريكا في مشروع فاخر قضية تخص المودعين لا المطور وحده، لأن أموال البنوك العامة يفترض أن تذهب إلى قطاعات إنتاجية توفر صادرات وعملة صعبة، لا إلى أصول عقارية طويلة الأجل مرتفعة السعر.
وقد حذر الخبير الاقتصادي هاني توفيق من تضخم التوجه نحو العقار، وقال إن الاستثمار العقاري في مصر بلغ نحو 20% من الناتج المحلي، وهو ضعف متوسط عالمي قدره 10%، معتبرا أن ذلك يعكس اختلالا بنيويا في السوق.
كما أشار توفيق إلى وجود ملايين الوحدات السكنية الخالية في مصر، وقدر عددها بنحو 15 مليون وحدة، وهو ما يعزز سؤال الأولويات، لأن الحكومة تروج أبراجا فاخرة بينما تعجز السوق عن تحويل المعروض العقاري إلى سكن قابل للوصول.
وفي المسار الرقابي، تقدم النائب أشرف أمين بطلب إحاطة بشأن ارتفاع أسعار العقارات وتأخر التسليم، وطالب بلجنة رقابية مركزية تراجع تسعير المشروعات قبل طرحها، وبضمانات بنكية تحمي المشترين من تعثر الشركات ومخالفة بنود التعاقد.
وبسبب هذه الخلفية، لا ينفصل ذا سباين عن سوابق تمويل مشروعات عقارية لرجال أعمال قريبين من دوائر السلطة، حيث أشارت تقديرات منشورة إلى أن نحو 12 مستثمرا استحوذوا سابقا على 70% من القروض، ثم عجزت البنوك عن الاسترداد الكامل عند التعثر.
كما يظل ملف مستحقات الدولة لدى مجموعة طلعت مصطفى حاضرا في الجدل، إذ تحدثت تقارير عن مستحقات عالقة بقيمة 8 مليارات جنيه تخص فروق أسعار أرض مدينتي، بينما لم يحسم عدد الوحدات المقابلة لهذه التسوية حتى الآن.
لذلك يكشف مشروع ذا سباين جوهر سياسة حكومة مدبولي، حيث تستخدم الدولة قوتها الإعلامية والمؤسسية لتسويق عقار فاخر لرجل أعمال كبير، ثم تقدم أموال البنوك العامة كرافعة للتمويل، بينما يبقى المواطن خارج معادلة السكن والعمل والإنتاج.
وفي النهاية، لا يمثل ذا سباين مجرد مشروع عقاري جديد في شرق القاهرة، بل يقدم وثيقة واضحة عن اقتصاد رسمي يفضل الأبراج والدعاية والتسعير بالدولار، على حساب السكن العادل والصناعة والزراعة والرقابة على أموال المودعين.

