تدخل أسعار اللحوم في مصر موجة ضغط جديدة قبل عيد الأضحى، بعدما ارتفعت أسعار العجول الحية بنحو 30%، بينما تواصل الحكومة إدارة السوق بسياسات استيراد لا تحمي المواطن ولا المنتج المحلي.
تكشف الأزمة أن المشكلة لا تقف عند الجزار أو التاجر، لأن سعر الدولار والأعلاف والشحن والتأمين تحولت إلى عوامل يومية تحدد طبق المواطن، في ظل عجز حكومي واضح عن بناء إنتاج حيواني مستقر.
ركود الطلب يكشف انهيار القوة الشرائية قبل موسم الأضاحي
مع بداية العد التنازلي لعيد الأضحى، قال سعيد زغلول عضو شعبة القصابين باتحاد الغرف التجارية إن سوق اللحوم يشهد ركودا واضحا، وإن حركة الشراء لا تتجاوز الاستهلاك الطبيعي، رغم أن هذه الفترة كانت تشهد سابقا زيادة موسمية مبكرة في الطلب.
وبسبب هذا التراجع، لم تعد المناسبة قادرة على تحريك السوق كما حدث في سنوات سابقة، لأن المواطن أصبح يؤجل قرار الشراء حتى الأيام الأخيرة، وأصبحت الأسر تتعامل مع اللحوم باعتبارها عبئا ماليا لا بندا طبيعيا في الإنفاق الغذائي اليومي.
كما أوضح زغلول أن ضعف الطلب لا يعني استقرار الأسعار، لأن السوق يتعرض لضغط معاكس من جانب التكلفة، حيث ترتفع أسعار العجول الحية والأعلاف والنقل، بينما يظل المستهلك عاجزا عن مجاراة هذه الزيادة بسبب تآكل دخله.
وفي هذا السياق، قال حسين أبو صدام نقيب الفلاحين في تصريحات سابقة إن أسعار اللحوم لا تعكس دائما تكلفة الإنتاج وحدها، وإن السوق يحتاج إلى رقابة أكثر جدية على حلقات التداول حتى لا يدفع المستهلك الفاتورة كاملة عند كل اضطراب في الأعلاف أو الدولار.
لذلك تظهر الأزمة في صورتها الاجتماعية المباشرة، حيث تتراجع قدرة المواطنين على شراء اللحوم قبل العيد، بينما تتعامل الحكومة مع الركود كأنه نتيجة مؤقتة لا كدليل على فشل أوسع في ضبط الأسعار وحماية الغذاء الأساسي.
الدولار والأعلاف يحولان سوق اللحوم إلى رهينة للاستيراد
وبعد تراجع الطلب، تأتي المشكلة الأعمق من اعتماد السوق المحلي على الخارج، حيث قال سعيد زغلول إن نحو 90% من المنتجات الغذائية مرتبطة بالاستيراد، وهو ارتباط يجعل أسعار اللحوم والأعلاف تحت تأثير مباشر لسعر الدولار وقرارات المستوردين.
كما ترتبط أسعار العجول الحية بمدخلات إنتاج مستوردة، لأن الأعلاف تمثل جزءا رئيسيا من تكلفة التربية، وعندما ترتفع الذرة والصويا أو تتأخر الشحنات أو يزيد سعر الصرف، ينتقل الضغط بسرعة من المزرعة إلى الجزار ثم إلى المستهلك.
وتدعم بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هذا الاتجاه، إذ بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء 69.4% في عام 2023، بما يعني أن فجوة الإنتاج ما زالت قائمة رغم الخطاب الرسمي عن زيادة الإنتاج المحلي.
وفي تقدير اقتصادي قريب من هذا الملف، رأى الدكتور أشرف كمال أستاذ الاقتصاد الزراعي أن زراعة الأعلاف غير التقليدية تمثل ضرورة لخفض الأسعار، لأن تقليل الاعتماد على الأعلاف المستوردة يخفف الضغط على تكلفة الإنتاج ويحد من نقل الأزمة إلى المستهلك.
وبناء على ذلك، لا تبدو زيادة أسعار العجول الحية بنسبة 30% حدثا معزولا، لأن هذه الزيادة تأتي من سلسلة قرارات مؤجلة وفشل ممتد في إنتاج الأعلاف محليا وتوسيع قاعدة التربية الحيوانية بصورة تحمي السوق من تقلبات الخارج.
الحروب وسوء الإدارة يفتحان الباب لزيادات جديدة
ثم زاد العامل الخارجي من حدة الأزمة، حيث أكد زغلول أن الصراعات الدولية رفعت تكلفة الخامات والشحن والتأمين والنقل، وأن تأثيرات هذه الحروب لم تقف عند بلد محدد، بل امتدت إلى الأسواق الكبرى وسلاسل الإمداد العالمية.
ومع استمرار هذا الضغط، تصبح مصر أكثر تعرضا لارتفاعات جديدة قبل عيد الأضحى، لأن الحكومة لم تفصل سوق الغذاء عن اضطرابات الخارج، ولم تنجح في تحويل الثروة الحيوانية إلى قطاع إنتاجي قادر على امتصاص الصدمات بدل نقلها مباشرة للمواطن.
كما حذر خبراء في ملف اللحوم من انفلات الأسعار مع اقتراب عيد الأضحى، وربطوا ارتفاع المواشي بتراجع الجنيه أمام الدولار والظروف الاقتصادية العامة، وهو ما يتقاطع مع تحذير شعبة القصابين من زيادات إضافية في السوق النهائي.
وفي الاتجاه نفسه، قال الدكتور محمد القرش المتحدث باسم وزارة الزراعة في ملف الأعلاف إن تنظيم قاعدة بيانات المنتجين والمتعاملين في السوق يمثل خطوة مهمة، لكن استمرار الأزمة يؤكد أن البيانات وحدها لا تكفي عندما تغيب سياسات إنتاج محلية ملزمة ومحاسبة حكومية واضحة.
لذلك تكشف أزمة اللحوم أن الحكومة تركت الأمن الغذائي بين الدولار والمستورد والأعلاف، ثم طالبت المواطن بتحمل النتيجة عند كل موسم، بينما كان المطلوب توسيع استصلاح الأراضي وزراعة المحاصيل العلفية ودعم المربين الصغار قبل الوصول إلى هذه المرحلة.
وفي النهاية، لا تقف قفزة أسعار العجول الحية عند حدود سوق موسمي قبل العيد، لأنها تلخص خللا كاملا في إدارة الغذاء، حيث تتراجع القوة الشرائية ويزيد الاعتماد على الخارج وترتفع تكلفة الإنتاج، بينما تبقى الحكومة مسؤولة عن سوق تركته بلا حماية حقيقية.

