أثارت دورات تأهيل المعلمين الجدد داخل الأكاديمية العسكرية المصرية مخاوف واسعة بعد شكاوى من انتقال أسلوب المعسكر إلى مدرسة ابتدائية في الإسماعيلية.
وتكشف الواقعة أزمة أوسع من إدارة مدرسة واحدة لأن الحكومة وسعت التدريب العسكري داخل قطاعات مدنية تحتاج إلى كفاءة تربوية وقانونية لا إلى أوامر وانضباط قسري.
مدرسة تتحول إلى نموذج مصغر لإدارة عسكرية داخل التعليم
في البداية، نقل معلمون وأولياء أمور بمحافظة الإسماعيلية شكاوى عن مديرة مدرسة ابتدائية عادت من تدريب داخل الأكاديمية العسكرية بعد 6 شهور وهي تدير المدرسة بمنطق أقرب إلى المعسكر، حيث بدأ طابور الصباح يتحول إلى مساحة أوامر ومصطلحات عسكرية لا تناسب أطفال المرحلة الابتدائية.
وبحسب الشكاوى نفسها، فرضت المديرة تدريبات رياضية قاسية على الطلاب واستخدمت موسيقى عسكرية وأناشيد وطنية ذات طابع عسكري، كما رددت عبارات سياسية شهيرة لعبد الفتاح السيسي أثناء مخاطبة الطلاب، بما جعل اليوم الدراسي أقرب إلى عرض انضباط لا إلى بيئة تعلم.
ثم اتسعت الأزمة داخل المدرسة مع تعامل المديرة مع المعلمين والإداريين والطلاب وأولياء الأمور بصرامة وتعنيف وتهديدات متكررة بالتحقيق والفصل، كما تحدثت الشكاوى عن تهديدات باستدعاء الأمن الوطني والاعتقال عند الاعتراض على طريقة الإدارة أو محاولة الشكوى للجهات التعليمية.
وبعد ذلك، ظهرت أخطر زاوية في الشكاوى عندما قال معلمون وأولياء أمور إن المديرة استعانت ببعض المعلمين لنقل أحاديث زملائهم وبعض الطلاب لنقل ما يدور داخل الفصول، وهو اتهام يحول المدرسة من مؤسسة تعليمية إلى مساحة رقابة داخلية تكسر الثقة بين الطلاب والمعلمين.
وفي هذا السياق، قال السياسي المصري الدكتور عمرو عادل إن إدخال أساليب الإدارة العسكرية إلى المجتمع المدني يحمل تداعيات شديدة السوء، لأن المؤسسة العسكرية تحتاج إلى نظام صارم يناسب طبيعة عملها، بينما يحتاج التعليم إلى إدارة مختلفة تقوم على الحوار والمهارة التربوية.
وبناء على ذلك، تكشف حالة المدرسة أن المشكلة لا تتعلق بتجاوز فردي محدود، لأن المديرة قدمت نفسها حسب الشكاوى باعتبارها أقوى من الإدارة التعليمية والمديرية والوزارة بسبب تكريمها خلال الدورة، وهذا السلوك يعكس خطورة صناعة سلطة فوق المؤسسة المدنية.
الأكاديمية العسكرية بوابة إلزامية تهمش الكفاءة المدنية
في مسار متصل، يجري تقديم المعلمين الجدد إلى دورات الأكاديمية العسكرية عبر موقع تنسيق القبول بالكليات العسكرية، حيث يخضع المتقدمون لاختبارات رياضية وذهنية وطبية وكشف هيئة، إلى جانب مواد عن الانضباط والتدريب الرياضي والأمن القومي، بحسب ما ورد في تقرير عربي21.
وبسبب هذه الإجراءات، لم يعد السؤال متعلقًا بطريقة تدريب المعلمين فقط، بل بمدى صلة الجري واللياقة العسكرية وكشف الهيئة بوظيفة التدريس، لأن المدرسة تحتاج إلى معلم قادر على الشرح والتواصل وإدارة الفروق الفردية لا إلى موظف يخضع لاختبارات أقرب إلى شروط التجنيد.
ثم كشفت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن تدريبات الأكاديمية العسكرية أدت إلى استبعاد 11,951 معلمًا ومعلمة، بينهم حالات ارتبطت بالوزن والحمل وحديثات الإنجاب، كما أوضحت أن 106 من المستبعدين لجأوا إلى القضاء للطعن على هذه الإجراءات.
وفي السياق نفسه، ربطت زاوية ثالثة بين هذه الشروط وبين عسكرة الجهاز الإداري، إذ نقلت عن الباحث محمد سيد أن اشتراطات اللياقة والوزن لا ترتبط بطبيعة وظيفة التدريس، وأن الأكاديمية أصبحت عمليًا بوابة فعلية للتعيين في التعليم وقطاعات مدنية أخرى.
وبذلك، تتحول مسابقة تعيين المعلمين من مسار مهني يفترض أن يقيس الكفاءة التربوية إلى مسار يمر عبر مؤسسة عسكرية، بينما يعاني التعليم نفسه من عجز كبير في أعداد المعلمين، وهو ما يجعل الاستبعاد لأسباب غير تعليمية عبئًا إضافيًا على المدارس والطلاب.
ومن هنا، يصبح حديث الوساطات والصراع على الدورات المجانية بين أصحاب النفوذ جزءًا من أصل الأزمة، لأن الحكومة تفتح بابًا جديدًا للتمييز داخل وظيفة مدنية، بدل أن تضع معايير شفافة تقيس المعرفة التربوية والخبرة العملية والقدرة على التعامل مع الأطفال.
عسكرة الدولة تضغط على التعليم وتعيد تشكيل المؤسسات المدنية
بعد انتقال النموذج إلى المدرسة، يطرح سياسيون ومعارضون سؤالًا أوسع عن تأثير تدريب المدنيين في الأكاديمية العسكرية على وزارات التعليم والأوقاف والنقل والخارجية والهيئات القضائية، لأن تعميم المنطق العسكري على هذه القطاعات يعني تحويل الدولة المدنية إلى شبكة أوامر وولاءات.
وفي هذا الإطار، قال السياسي المصري المعارض محمد حمدي إن الواقعة ليست حادثة مدرسة فقط، بل تعبر عن نمط إدارة الدولة وعلاقة المؤسسة العسكرية بالمجال المدني، لأن نقل الانضباط العسكري إلى التعليم يخلق بيئة خوف ويحول الطالب من متعلم إلى منفذ أوامر.
ثم أوضح حمدي أن التعليم يقوم على الحوار والتفكير النقدي وبناء الشخصية، بينما تقوم المؤسسة العسكرية على الطاعة والانضباط الصارم، ولذلك يؤدي فرض النموذج العسكري داخل المدرسة إلى تراجع الإبداع وتوسيع ثقافة المراقبة بدل المشاركة داخل الفصول والإدارات.
وبالتوازي مع ذلك، تجاوزت أدوار الأكاديمية العسكرية ملف التعليم إلى تدريب دعاة الأوقاف والدبلوماسيين وبعض العاملين بوزارة النقل والمعينين في جهات قضائية ورقابية، رغم وجود مؤسسات مدنية متخصصة مثل معهد التدريب البرلماني وأكاديمية الأزهر ومعهد الدراسات الدبلوماسية.
ولذلك، يكتسب تقرير الباحث يزيد صايغ في مؤسسة كارنيغي أهمية خاصة، لأنه رصد توسع دور القوات المسلحة منذ 2013 في الاقتصاد والإدارة والأسواق وصياغة السياسات الحكومية، كما أكد أن هذا التوسع يحتاج إلى وضعه تحت سلطة مدنية واضحة.
وفي دراسة أخرى لصايغ عن الاقتصاد العسكري المصري، أشار إلى أن الضباط المتقاعدين استفادوا من النفوذ السياسي للقوات المسلحة لشغل مناصب عليا في الجهاز المدني وشركات القطاع العام، وهو مسار يشرح كيف انتقل النفوذ العسكري من الثكنة إلى الإدارة اليومية للدولة.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو الأكاديمية العسكرية مجرد مركز تدريب جديد، بل أداة لإعادة تشكيل الموظف المدني وفق معيار الولاء والانضباط، بينما تتراجع معايير التخصص والخبرة والتربية والقانون أمام سلطة مؤسسة تملك نفوذًا يتجاوز الوزارات المعنية.
وفي النهاية، تكشف شكاوى مدرسة الإسماعيلية وجهًا عمليًا لهذه السياسة، حيث يدفع الطلاب والمعلمون وأولياء الأمور ثمن تحويل المدرسة إلى مساحة أوامر ورقابة وتهديد، بينما تتهرب الحكومة من سؤال جوهري عن سبب ترك التعليم تحت تأثير نمط عسكري لا يناسب وظيفته.
وتبقى الخلاصة أن الحكومة مسؤولة عن وقف هذا المسار قبل أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، لأن المدرسة ليست معسكرًا والطالب ليس مجندًا والمعلم ليس عنصرًا تحت الاختبار الأمني، وأي دولة تحترم التعليم تبدأ بإخراجه من منطق السيطرة لا بإدخاله إليه.

