تكشف شهادات ميدانية من جنوب لبنان وغزة والضفة الغربية أن الجيش الإسرائيلي لا يكتفي بالتدمير والتهجير، بل يترك خلفه وقائع نهب لممتلكات المدنيين داخل البيوت التي يقتحمها.
وتضع هذه الوقائع الاحتلال أمام اتهام مباشر بارتكاب جرائم حرب، لأن نهب الأموال والمصاغ والأثاث لا يدخل في الضرورة العسكرية، بل يكشف انهيار المساءلة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية.
نهب منظم داخل البيوت بعد السيطرة العسكرية
تؤكد الشهادات الميدانية من القرى والبلدات الواقعة جنوبي لبنان أن عناصر الجيش الإسرائيلي استولوا على ممتلكات مدنيين بعد اقتحام منازلهم والسيطرة عليها، وقد شملت الوقائع أموالًا ومقتنيات ثمينة وأجهزة كهربائية وأثاثًا منزليًا، وفق روايات حقوقية وإعلامية متداولة عن المناطق الحدودية.
وبالتوازي مع ذلك، لا تظهر هذه الوقائع كحالة معزولة داخل لبنان، لأن منظمات حقوقية وثقت أنماطًا مشابهة خلال العمليات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، حيث تحدث فلسطينيون عن اختفاء أموال ومصاغ ومقتنيات بعد دخول القوات الإسرائيلية إلى منازلهم أو إجبارهم على مغادرتها.
ثم تزداد خطورة الملف عندما تؤكد تقارير دولية أن القوات الإسرائيلية دمرت ممتلكات مدنية واسعة في جنوب لبنان بعد التوغل البري، وقد قالت منظمة العفو الدولية إن التدمير المتعمد للممتلكات المدنية والأراضي في لبنان يجب أن يحقق فيه باعتباره جرائم حرب محتملة.
وبسبب هذا السياق، يصبح نهب الممتلكات جزءًا من نمط أوسع يقوم على اقتحام البيوت وتحويلها إلى مواقع عسكرية أو نقاط إقامة مؤقتة، ثم مصادرة ما يمكن نقله وتخريب ما يبقى، وهو سلوك يضرب حق المدنيين في الملكية والأمان والعودة.
وفي هذا الإطار، تؤكد أنياس كالامار، الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أن احترام القانون الدولي الإنساني لا يترك للدول هامشًا لاختيار ما يناسبها وقت الحرب، وقد طالبت منظمتها بالتحقيق في تدمير الممتلكات المدنية في لبنان باعتباره انتهاكًا جسيمًا.
إفلات من العقاب يحول النهب إلى سلوك محمي
بعد تكرار الوقائع، تبرز مشكلة الإفلات من العقاب داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، لأن الجنود لا يواجهون محاسبة علنية كافية عندما توثق صور أو شهادات عن نهب أو تخريب، كما أن التحقيقات الداخلية تظل في أغلب الأحيان محدودة ولا تصل إلى القيادات التي تتحمل مسؤولية السيطرة على القوات.
وتوضح منظمات حقوقية أن غياب المساءلة في الانتهاكات السابقة شجع على تكرار السلوك نفسه، وقد وثقت هيومن رايتس ووتش في تقارير سابقة قصورًا واسعًا في التحقيقات الإسرائيلية بشأن انتهاكات قوانين الحرب، وهو ما يعزز ثقافة عدم المحاسبة داخل منظومة الاحتلال.
ثم تكشف شهادات من جنوب لبنان أن بعض المسروقات نقلت عبر مركبات عسكرية أو من داخل مناطق خاضعة لسيطرة الجيش، وهذا التفصيل يرفع مستوى المسؤولية من فعل فردي إلى سلوك يحدث داخل بيئة عملياتية تعرفها القيادات الميدانية أو تستطيع منعها.
وفي السياق نفسه، عاقب الجيش الإسرائيلي جنديين بعد واقعة تحطيم صليب في قرية دبل بجنوب لبنان، وقد أكدت رويترز أن الحادثة جرت داخل قرية واقعة تحت سيطرة إسرائيلية فعلية، وأن منظمات حقوقية تشير إلى أن حوادث مشابهة كثيرًا ما تبقى بلا حسم.
وبناء على ذلك، لا يكفي أن تعلن إسرائيل تحقيقات داخلية متفرقة، لأن القضية تتعلق ببنية تسمح للجنود باقتحام بيوت المدنيين واستخدامها وتخريبها ونهبها، ثم تنقل الملف إلى تحقيقات عسكرية لا يثق بها الضحايا ولا تضمن جبر الضرر.
وتقول بلقيس جراح، المديرة المشاركة للعدالة الدولية في هيومن رايتس ووتش، إن الإفلات من العقاب في الانتهاكات الجسيمة يفتح الباب أمام تكرار الجرائم، ولذلك يصبح توثيق النهب في لبنان وغزة والضفة اختبارًا لجدية المساءلة الدولية لا لإجراءات الاحتلال الداخلية.
القانون الدولي يجرم النهب والصمت يوسع الجريمة
في المقابل، يحظر القانون الدولي الإنساني نهب الممتلكات الخاصة أثناء النزاعات المسلحة، ويصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية النهب ضمن جرائم الحرب في النزاعات المسلحة، ما يجعل الاستيلاء على أموال المدنيين ومقتنياتهم جريمة قابلة للملاحقة لا مخالفة انضباطية بسيطة.
كما تشدد اتفاقية جنيف الرابعة على حماية المدنيين وممتلكاتهم تحت الاحتلال والنزاع، ولذلك لا يستطيع أي جيش أن يبرر سرقة المصاغ أو الأجهزة أو الأثاث بالحاجة العسكرية، لأن الحاجة العسكرية لا تمنح الجندي حق تحويل بيت مدني إلى مصدر غنيمة شخصية.
وعلى هذا الأساس، تتطلب الوقائع الموثقة في جنوب لبنان وغزة والضفة تحركًا قانونيًا دوليًا، يبدأ بحفظ الأدلة وشهادات الضحايا والصور والمقاطع، ويمتد إلى تقديم الملفات أمام الآليات الدولية المختصة، حتى لا تتحول الجرائم إلى تفاصيل منسية بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وتؤكد المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيز في تقاريرها عن الأراضي الفلسطينية المحتلة أن استمرار الإفلات من العقاب يوسع دائرة الانتهاكات ضد المدنيين، ولذلك تمثل وقائع النهب والتخريب والتهجير ملفًا واحدًا يتصل بمنظومة الاحتلال لا بحوادث منفصلة.
ثم يصبح الصمت الدولي شريكًا غير مباشر في استمرار هذه الممارسات، لأن كل واقعة نهب بلا محاسبة تمنح القوات رسالة عملية بأن ممتلكات المدنيين مباحة بعد التهجير، وأن البيوت التي يتركها أصحابها تحت القصف تتحول إلى مساحة بلا حماية قانونية.
وأخيرا لا تحتاج العائلات اللبنانية والفلسطينية إلى بيانات تعاطف جديدة، بل تحتاج إلى تحقيقات دولية ملزمة وملاحقة للجنود والقادة الذين سمحوا بالنهب والتخريب، لأن استعادة العدالة تبدأ من الاعتراف بأن سرقة بيت مدني تحت الاحتلال جريمة حرب لا هامشًا من هوامش المعركة.

