كشف انهيار العقار الكائن في 19 شارع قباء المتفرع من شجرة الدر بمنطقة غربال في محرم بك، صباح امس الأحد 19 أبريل 2026، أن المأساة لم تكن قضاءً مباغتًا بقدر ما كانت نتيجة مباشرة لإهمال معلوم ومثبت بالأوراق، بعدما سقط سقف إحدى حجرات الطابق الأول على الأرضي في عقار مأهول، رغم صدور قرار ترميم له قبل الحادث، فسقط ثلاثة قتلى وأصيب ثلاثة آخرون تحت أنقاض كان يمكن منعها لو وجدت دولة تنفذ ما تكتبه هي نفسها.
قرار الترميم الذي توقف عند الورق
أوضح الحادث منذ ساعاته الأولى أن أصل الكارثة ليس فقط تهالك البناء، بل عجز السلطة المحلية عن تحويل القرار الإداري إلى حماية فعلية للسكان، إذ بيّنت المعاينات أن العقار مكوّن من دور أرضي وطابق أول علوي، وصادر له قرار ترميم رقم 195 لسنة 2026، ومع ذلك ظل السكان داخله حتى وقع الانهيار، بما يعني أن الخطر كان معروفًا للجهات المعنية قبل أن يصبح نعوشًا محمولة إلى المشرحة.
ولفت هذا التسلسل إلى أن الدولة لم تفاجأ بالانهيار، لأن البلاغ الرسمي نفسه سجّل أن العقار مأهول وأن موضع السقوط محدد بدقة، بينما حضرت الأجهزة بعد الكارثة لتفرض كردونًا أمنيًا وتنقل الضحايا وتصرف التعويضات، وهي إجراءات تأتي دائمًا بعد وقوع الموت لا قبله، فتبدو الإدارة هنا كأنها تتقن بروتوكول ما بعد الجريمة أكثر مما تتقن منع الجريمة نفسها.
وفي ظل هذا المشهد، يرى الدكتور حمدي عرفة، أستاذ الإدارة الحكومية والمحلية وخبير البلديات الدولية، أن استمرار انهيار العقارات في مصر يرتبط بسوء إدارة ملف المباني المخالفة والآيلة للسقوط، وأن مجرد ظهور المحافظين بجوار العقارات المنهارة بعد كل حادث لا يحل الأزمة، بل يخفيها مؤقتًا، لأن الحل يبدأ من التنفيذ والرقابة والمحاسبة لا من الصور والبيانات.
من حادث محلي إلى أزمة حكم كاملة
ويبين تكرار هذه الوقائع في الإسكندرية أن المشكلة أكبر من عنوان عقار واحد أو شارع واحد، لأن رئاسة الوزراء أعلنت في يوليو 2025 وجود نحو 7500 عقار معرّض للانهيار في المحافظة، مع حديث رسمي عن خطة لإنشاء 55 ألف وحدة بديلة، وهو اعتراف صريح بأن الخطر واسع ومعلوم، لكن اتساع المعرفة لم يصاحبه اتساع في الحماية، فبقي الناس داخل مساكن تتقدم إليها القرارات أبطأ مما يتقدم إليها الانهيار.
وأكد هذا التناقض أن السلطة تعرف حجم الملف ثم تديره بمنطق التأجيل، فحين تعترف الحكومة بعدد العقارات المهددة وتعد بوحدات بديلة، لكنها تترك قرار ترميم حديثًا بلا تنفيذ حتى يسقط فوق رؤوس أصحابه، فإنها لا تواجه الأزمة بل تؤجل انفجارها من حي إلى آخر، وتحوّل الزمن نفسه إلى شريك في القتل، لأن كل يوم يمر بلا تدخل فعلي يضيف حملًا جديدًا على جدران فقدت قدرتها على الاحتمال.
وفي موازاة ذلك، يشدد المهندس خالد صديق، رئيس مجلس إدارة صندوق التنمية الحضرية، على أن الدولة نقلت آلاف الأسر من مناطق غير آمنة، وأنها تتحدث عن استكمال خطط التطوير في المحافظات المختلفة، لكن هذا الخطاب الرسمي نفسه يفضح الفجوة بين ما يُعلن وما يصل إلى الأحياء القديمة المكتظة، لأن نجاح النقل في مواقع محددة لا يلغي حقيقة أن سكان عقارات كثيرة ما زالوا يواجهون الخطر وحدهم حتى لحظة الانهيار.
الانهيار نتيجة مباشرة لغياب الصيانة والرقابة
وأشار خبراء البناء إلى أن هذا النوع من الحوادث لا يقع بلا مقدمات، إذ قدّر الدكتور حداد سعيد حداد، مدير معهد بحوث المنشآت الخرسانية بالمركز القومي لبحوث الإسكان والبناء، عدد المباني الآيلة للسقوط في مصر بين 100 و120 ألف مبنى، موضحًا أن عامل الزمن وغياب الصيانة الدورية وضعف الرقابة والحمل الزائد وعدم كفاءة الخرسانة أو التربة هي الأسباب الأبرز لتكرار الانهيارات، وهي أسباب إدارية وإنشائية معروفة وليست أسرارًا مكتشفة بعد كل مأساة.
وفي المقابل، يربط حداد بين انهيار المباني القديمة وصدور قرارات ترميم أو إزالة لا تُنفذ، بينما يربط حمدي عرفة بين تفاقم الأزمة وضعف متابعة البلديات وفساد الإدارات الهندسية وقلة الكفاءات الفنية داخلها، وبذلك يلتقي التفسير الإنشائي مع التفسير الإداري عند نقطة واحدة واضحة، وهي أن المواطن لا يُقتل فقط بسبب سقف متهالك، بل بسبب جهاز عام يعرف الخلل ثم يتركه قائمًا حتى يتحول إلى ركام.
ويرى هذا الربط أن مأساة غربال يجب ألا تُقرأ كخبر حوادث عابر، لأن تحويلها إلى حادث منفصل يبرئ البنية التي أنتجتها، بينما الحقيقة أن القرار غير المنفذ، والرقابة المتأخرة، والصيانة الغائبة، والبديل السكني المؤجل، كلها حلقات متصلة في سلسلة واحدة، تبدأ من مكتب إداري يتباطأ أو يتواطأ، وتنتهي بأسرة تخرج بملابس النوم لتكتشف أن البيت الذي احتمت به صار فخًا للموت.
وتؤكد خاتمة هذا المشهد أن المعارضة لا تبالغ حين تتهم السلطة بالتقصير، لأن الوقائع نفسها تقول إن الدولة رصدت الخطر ودوّنته وأصدرت له قرارًا، ثم تركته يعمل حتى حصد أرواحًا جديدة في الإسكندرية، ولذلك فإن العدالة هنا لا تبدأ بتعويضات ولا بمحضر إداري، بل بفتح ملف المسؤولية من الحي إلى المحافظة إلى الوزارات المختصة، ومحاسبة كل من حوّل قرار الترميم إلى ورقة باردة، بينما كان الناس ينامون تحت سقف ينتظر لحظة

