أعادت الحكومة فتح ملف البحوث الزراعية من أكثر زواياه حساسية، حين وافق مجلس الوزراء يوم 16 أبريل 2026 على الترخيص لمركز البحوث الزراعية بتأسيس شركة مساهمة مصرية جديدة باسم أركو سيدز لإنتاج تقاوي الخضر والفاكهة، بالشراكة مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة والبنك الزراعي المصري وجهات أخرى.

 

القرار بدا في صورته الرسمية دعما لإنتاج التقاوي وتقليل الاستيراد، لكن توقيته جاء بعد أيام من اتساع الجدل حول نقل مساحات من أراضي مركز البحوث الزراعية في الجيزة إلى الجهاز نفسه، وهو ما جعل كثيرين يقرأون الخطوة باعتبارها محاولة لتجميل مشهد سياسي وإداري مرتبك، لا معالجة أصلية للأزمة. فالدولة التي تنزع الأرض من المؤسسة البحثية ثم تعرض شراكة جديدة معها، لا تبدو منشغلة بحماية البحث العلمي بقدر انشغالها بإعادة تدوير صورته داخل خطاب رسمي يطلب التصديق بينما تتآكل الوقائع على الأرض.

 

القضية هنا لا تقف عند حدود شركة جديدة ولا عند خلاف إداري على الولاية، لأن ما يتعرض له مركز البحوث الزراعية يطال قلب القدرة المصرية على إنتاج التقاوي وتحسين السلالات ومتابعة الأمراض النباتية والحيوانية في مواقع تراكم فيها العمل العلمي عبر عقود. تقارير صحفية وبحثية تحدثت عن نقل نحو 70 فدانًا داخل المركز الرئيسي، بينما تشير وثائق قرار يوليو 2025 إلى إعادة تخصيص 5 قطع أرض من ولاية المركز في الجيزة مع قطعة أخرى من أراضي الري لصالح جهاز مستقبل مصر بمساحة إجمالية 83.94 فدانًا لاستخدامها في مشروعاته. وبين الرقمين لا تضيع الحقيقة الأساسية، وهي أن السلطة تتعامل مع أرض البحث الزراعي بوصفها أصلًا قابلًا للنقل والاستثمار، لا بيئة علمية لا يمكن تعويضها بمجرد أوامر نقل أو مقار بديلة.

 

شركة جديدة فوق أرض منزوعة

 

جاء قرار مجلس الوزراء واضحًا في صيغته، إذ وافق على تأسيس أركو سيدز بالشراكة مع جهاز مستقبل مصر والبنك الزراعي المصري والشركة الوطنية للصناعات المحمية وبعض شركات القطاع الخاص، وقال إن الهدف هو توفير الاحتياجات المحلية من تقاوي الخضر والفاكهة وتقليل الاستيراد وتعظيم الاستفادة من أصول الدولة. هذه اللغة الرسمية نفسها هي التي عمقت الشكوك، لأن الحديث عن تعظيم الأصول تزامن مع اقتطاع أراض من المؤسسة العلمية التي تنتج هذه التقاوي أصلًا.

ثم زاد الجدل لأن قرار الشركة لم يأت في فراغ، بل بعد مسار موثق لتوسيع نفوذ جهاز مستقبل مصر على مساحات واسعة من الأراضي بقرارات جمهورية ووزارية متتابعة خلال 2024 و2025. تقرير المنصة المنشور في 20 يناير 2026 وصف هذا المسار بأنه إعادة توزيع للأرض من أعلى خارج المسارات المدنية التقليدية، مع تحول الجهاز إلى مدير للأرض باعتبارها أصلًا رأسماليًا أكثر من كونه مشروعًا إنتاجيًا مباشرًا.

وفي هذا السياق، قال الدكتور مجدي قشطة، الباحث بمركز البحوث الزراعية، إن الاستيلاء على أرض ومنشآت ومعامل المركز في الجيزة لصالح جهاز مستقبل مصر يمثل تدميرًا وإهانة للبحث العلمي الزراعي علنًا، محذرًا من أن هذه الأراضي ليست فراغًا إداريًا بل بنية إنتاجية صنعت على مدى عقود جزءًا معتبرًا من تطور إنتاجية القمح والأرز والذرة في مصر. هذا التحذير اكتسب وزنه لأن الرجل يتحدث من داخل المؤسسة التي يجري اقتطاع أرضها.

 

الأرض المنزوعة ليست عقارًا بل معامل مفتوحة للتقاوي

 

بدأت وقائع النقل بقرار معلن في 9 يوليو 2025 حين وافق مجلس الوزراء على إعادة تخصيص 5 قطع من أراضي مركز البحوث الزراعية في الجيزة بمساحات 13.26 و26.94 و25.84 و1.45 و2.06 فدان، إضافة إلى 14.39 فدانًا من أراضي وزارة الري، لصالح جهاز مستقبل مصر. هذا القرار الرسمي يقدم رقمًا دقيقًا يثبت أن الاقتطاع ليس شائعة ولا مبالغة، بل إجراء حكومي موثق سبق القرار الأخير الخاص بالشركة الجديدة.

 

وبعد ذلك تحدثت تقارير لاحقة عن إخطار مجلس الوزراء للمركز بتنفيذ قرار نقل نحو 70 فدانًا داخل مقره الرئيسي، مع الإشارة إلى ترتيبات إضافية في أبريل 2026 لنقل أراض أخرى وعاملين إلى مواقع بديلة مثل دهشور. وبحسب هذه التقارير، فإن الاعتراضات داخل الوسط البحثي تركزت على أن المشكلة لا تتعلق بالمباني بل بالتربة المهيأة تجريبيًا وبالبيانات المتراكمة وبصلة المركز التاريخية بجامعات القاهرة والجيزة.

 

وهنا تظهر أهمية ما قاله الدكتور سعد نصار، أستاذ الاقتصاد الزراعي ومستشار وزير الزراعة، حين أكد في سبتمبر 2024 أن برامج تربية المحاصيل الحقلية حققت 100 بالمئة من تقاوي القمح والذرة، وربط ذلك مباشرة بالأمن الغذائي وأهداف التنمية. دلالة هذا الكلام اليوم أن ملف التقاوي ليس هامشيًا، وأن العبث بمراكز إنتاجها وتجريبها يضرب الحلقة الأشد حساسية في منظومة الغذاء، حتى لو واصلت الحكومة ترديد لغة الاكتفاء والاستدامة.

 

ثم يتسع الخطر لأن تقارير بحثية وإعلامية ربطت ما يحدث في الجيزة بسلسلة أوسع من تجريف أو تغيير استخدام أراض ومحطات بحثية في بهتيم وكفر الحمام والصبحية والنوبارية وغيرها. وإذا صح هذا المسار كما ترويه هذه التقارير، فإن الدولة لا تنقل جزءًا من نشاطها الزراعي البحثي فحسب، بل تعيد تصفية شبكة تجارب ميدانية كانت تقوم عليها عمليات استنباط الأصناف واختبارها ومتابعة الأمراض وتحسين السلالات الحيوانية.

 

تدمير البحث الزراعي يفتح باب التبعية الغذائية

 

يرتبط هذا الملف مباشرة بالأمن الغذائي، لأن الدولة التي تعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاتها لا تملك ترف إضعاف المؤسسة التي تنتج التقاوي وتحسن الإنتاجية وتدعم مقاومة الأمراض والتقلبات المناخية. تقرير المنصة عن مستقبل مصر أظهر كيف يجري توسيع السيطرة على الأرض والمياه والطاقة وفق منطق استثماري يستبعد الاعتبارات الاجتماعية والعلمية، بينما تكشف قرارات النقل الأخيرة أن هذا المنطق وصل الآن إلى قلب البنية البحثية نفسها.

 

وفي هذا الإطار، كتب الدكتور نادر نور الدين في فبراير 2026 عن إخفاقات متتالية أضاعت فرص تحقيق الأمن الغذائي في مصر، وربط بين ضعف الإدارة وازدياد هشاشة الفلاح والقطاع الزراعي. كما نقلت تقارير حديثة عنه قوله إن قضية البحوث الزراعية تجاوزت حدود المركز نفسه إلى سؤال أوسع عن معنى الأمن الغذائي، وعن موقع العلماء داخل دولة تقول إنها تقلل الفجوة الاستيرادية بينما تنتزع الأرض من المؤسسة التي صنعت جزءًا من القدرة على تقليص هذه الفجوة.

 

ولذلك لا تبدو أركو سيدز في صورتها الحالية جوابًا على الأزمة، بل جزءًا من طريقة إدارتها سياسيًا. فالحكومة تقدم شركة جديدة في واجهة المشهد، بينما أصل السؤال يتعلق بمن يملك الأرض ومن يقرر مصيرها ومن يحاسب على إهدار قيمة علمية تراكمت عبر عشرات السنين. وما دام جهاز واحد يتمدد على أراضي البحث والإنتاج واللوجستيات معًا، فإن الحديث عن شراكة متوازنة بين العلم والدولة يفقد معناه العملي سريعًا.

 

وفي المحصلة، تكشف الوقائع المتتابعة أن السلطة لا تبني منظومة تقاوي وطنية من موقع احترام البحث العلمي، بل تعيد هندسة الملف كله بما يخضع الأرض والمعمل والخبرة لمنطق السيطرة والعائد العقاري والاستثماري. هذه هي المشكلة التي لم يبددها قرار 16 أبريل، بل أكدها. فحين تُنتزع أراضي مركز البحوث الزراعية ثم يُطلب من المصريين تصديق أن الأمن الغذائي يتقدم، يكون المطلوب عمليًا هو التسليم بالرواية الرسمية رغم أن الأرض نفسها تقول العكس.