شهدت القاهرة خلال الأسابيع الأخيرة موجة حرائق دامية داخل منشآت صناعية أعادت ملف السلامة المهنية إلى واجهة النقاش العام بقوة، بعدما تحولت مواقع عمل مزدحمة بالعمال والعاملات إلى ساحات موت واختناق في قلب أحياء سكنية مكتظة. ففي 31 مارس 2026 اندلع حريق في مصنع ومخزن ملابس بمنطقة سراي القبة في حي الزيتون، ثم تكرر المشهد في 14 أبريل 2026 داخل منشأة بالزاوية الحمراء، وبين الحادثين تصاعد الغضب بسبب تكرار النمط نفسه من الضحايا والبيئة نفسها من الإهمال والافتقار إلى الحماية. كما أظهرت التغطيات المحلية أن الحصيلة الأولية في حريق سراي القبة بدأت أقل ثم ارتفعت لاحقًا مع انتشال ضحايا جدد، بينما ثبتت في حريق الزاوية الحمراء وفاة 7 أشخاص على الأقل. وتكشف هذه الوقائع أن الأزمة لم تعد حادثًا منفردًا، بل صارت عنوانًا لفشل مستمر في التفتيش والردع والوقاية داخل المصانع وورش الإنتاج في العاصمة.

 

جاءت هذه الحرائق بينما كانت الحكومة تواصل الحديث عن تطوير الصناعة وجذب الاستثمار ورفع كفاءة الإنتاج، لكن الوقائع على الأرض دفعت هذا الخطاب الرسمي إلى اختبار قاسٍ. فالمصانع التي تشتعل تباعًا لا تكشف فقط خللًا في تجهيزات الإطفاء أو مخارج الطوارئ، بل تكشف عجزًا أعمق في منظومة الدولة عن حماية العمال داخل أماكن العمل نفسها. كما أن وقوع بعض هذه الحرائق في مناطق عالية الكثافة السكانية أو داخل منشآت غير مهيأة بالكامل للنشاط الصناعي يفضح تراخيًا إداريًا لا يمكن عزله عن ضعف الرقابة وعن اتساع الاقتصاد غير الرسمي. ولهذا تبدو حرائق القاهرة الأخيرة أقرب إلى نتيجة مباشرة لسياسات غضت الطرف طويلًا عن بيئات عمل خطرة، ثم اكتفت بعد الكارثة ببيانات تقليدية لا تمنع حريقًا جديدًا ولا تضمن حقًا في نجاة العامل قبل موته.

 

الحرائق الأخيرة في سراي القبة والزاوية الحمراء تؤكد تكرار الكارثة

 

توضح الوقائع الموثقة أن حريق سراي القبة اندلع مساء 31 مارس 2026 داخل مصنع ومخزن للملابس بشارع سراي القبة في حي الزيتون، ودفع قوات الحماية المدنية إلى التدخل بعدد من سيارات الإطفاء والإسعاف. كما أظهرت التغطيات أن عدد الضحايا ارتفع مع تقدم عمليات البحث والإنقاذ بعد العثور على جثامين جديدة داخل موقع الحريق.

 

ثم جاء حريق الزاوية الحمراء في 14 أبريل 2026 ليؤكد أن ما جرى قبل أيام لم يكن إنذارًا التقطته الجهات المسؤولة، بل كارثة تبعتها كارثة أخرى في المشهد نفسه تقريبًا. وقد ذكرت التغطيات الإخبارية أن الحريق الثاني أسفر عن وفاة 7 أشخاص داخل منشأة للملابس أو ورشة ومخزن جلود وأحذية، مع إصابات واختناقات بين العاملين.

 

وبعد ذلك بدت المقارنة بين الحادثين كاشفة أكثر من أي تصريح رسمي، لأن الفاصل الزمني بينهما كان قصيرًا جدًا، بينما ظل النمط واحدًا من حيث مكان الخطر وطبيعة الضحايا ونتيجة الإهمال. وعندما تتكرر الحرائق القاتلة داخل منشآت إنتاجية في أقل من أسبوعين، فإن المشكلة تنتقل من خانة الطوارئ إلى خانة الفشل الهيكلي في الرقابة.

 

كما أن استدعاء حادث المحلة في سبتمبر 2025 يوسع صورة الأزمة بدل أن يحصرها في القاهرة وحدها، لأن التعليقات المنشورة على ذلك الحريق ربطت بينه وبين استمرار نزيف العمال في المصانع ومواقع الإنتاج. وقد ظهر كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، في تعليقات لاحقة على حرائق المصانع مؤكدًا أن تكرار هذه الوقائع يفضح خللًا مستمرًا في تطبيق معايير السلامة المهنية وفي الرقابة الفعلية على أماكن العمل.

 

الأرقام الرسمية تكشف تصاعد حرائق المصانع وعجز التفتيش

 

تكشف البيانات الرسمية الخاصة بعام 2025 أن إجمالي عدد حوادث الحريق في مصر بلغ 51029 حادثة مقابل 46925 حادثة في عام 2024 بنسبة زيادة 8.7 بالمئة، وهو ما يعكس اتساع المشكلة على مستوى الجمهورية لا انحصارها في منطقة بعينها. وهذه الزيادة السنوية تجعل أي حديث حكومي عن تحسن بيئة الوقاية حديثًا منقوصًا أمام الوقائع الإحصائية نفسها.

 

ثم يصبح الرقم أكثر دلالة عندما يتعلق بالمنشآت الصناعية تحديدًا، إذ أظهرت قراءة منشورة لبيانات الحريق لعام 2025 أن الحرائق داخل المنشآت الصناعية بلغت 533 حادثًا، وأنها تصدرت فئات المنشآت المتضررة بين الأنماط المختلفة، مع اتجاه تصاعدي مقارنة بالسنوات السابقة. وهذا المعطى يضع المصانع مباشرة في قلب الأزمة بدل التعامل معها كقطاع عارض في سجل الحرائق العام.

 

وبالتالي فإن المشكلة لم تعد في وجود حريق هنا أو هناك، بل في مسار إحصائي صاعد يكشف أن التفتيش الدوري والردع القانوني لا يؤديان وظيفتهما كما يجب. فلو كانت منظومة المتابعة المسبقة تعمل بجدية، لما بقيت المصانع في صدارة الحرائق عامًا بعد عام، ولما تحولت مواقع العمل إلى بيئات خطر متكرر يمكن توقعه قبل وقوعه.

 

وفي هذا السياق يقدم الدكتور تامر شراكي، استشاري الأمن والسلامة المهنية، توصيفًا مهنيًا مباشرًا حين يؤكد أن اشتراطات السلامة والصحة المهنية في مصر ليست إجراءات شكلية بل حد أدنى قانوني لحماية الأرواح والممتلكات، خاصة في المنشآت عالية الكثافة أو الخطورة. وعندما تتكرر الحرائق في مواقع من هذا النوع، فإن ذلك يعني أن الحد الأدنى نفسه لا يُحترم كما يجب.

 

كما يضيف الدكتور مجدي موسى صليب، مدير المركز القومي لدراسات السلامة والصحة المهنية سابقًا، أن عدم الالتزام بقواعد حفظ السلامة يقف وراء كثير من الحرائق الكبيرة. وتكتسب هذه الشهادة وزنها لأنها تصدر عن مسؤول سابق في مؤسسة متخصصة، ولأنها تربط السبب المباشر للحريق بخرق قواعد الوقاية لا بالمصادفة أو الحظ السيئ كما تحاول الروايات المخففة أن توحي.

 

الاقتصاد غير الرسمي يوسع دائرة الخطر ويترك العمال بلا حماية فعلية

 

تزداد خطورة هذا الملف عندما يوضع داخل سياق أوسع يتعلق بطبيعة سوق العمل نفسه، لأن اتساع الاقتصاد غير الرسمي يعني عمليًا اتساع مساحات العمل التي تتحرك خارج الرقابة الكاملة والعقود المستقرة وشروط الحماية الفعلية. وهذا الواقع لا يفسر كل حريق بمفرده، لكنه يفسر لماذا تظل بيئات العمل الهشة أكثر عرضة للكارثة عند أول شرارة.

 

وفي هذا الإطار تشير منظمة العمل الدولية إلى أن الاقتصاد غير المنظم في مصر ليس ظاهرة هامشية، بل بنية واسعة ومعقدة تتقاطع مع التشغيل والإنتاج والحماية الاجتماعية. كما تذكر مواد منشورة صادرة عن المنظمة أن أكثر من نصف العاملين في مصر يعملون بدون عقد أو معاش أو تأمين صحي، وهو ما يوضح حجم الهشاشة التي تحيط بالعمال قبل الحريق وبعده معًا.

 

وبسبب ذلك يصبح العامل في كثير من المنشآت الصغيرة أو غير المستقرة الطرف الأضعف على امتداد السلسلة كلها، لأنه يدخل مكان العمل بلا ضمان كاف، ويعمل أحيانًا في بيئة لا تخضع للتفتيش الصارم، ثم يخرج من الكارثة إن نجا بلا حماية اجتماعية كافية. وهذا النمط لا يعكس خطأ فرديًا، بل يعكس تركيبة تسمح بتدوير الخطر بدل منعه من الأصل.

 

كما أن وزارة العمل نفسها تعرض عبر خدماتها الرسمية اشتراطات واضحة تتعلق بمعاينة مواقع العمل والتحقق من تنفيذ شروط السلامة والصحة المهنية قبل الترخيص. لكن تكرار الحرائق القاتلة داخل منشآت إنتاجية يطرح سؤالًا مباشرًا عن مدى إنفاذ هذه الاشتراطات على الأرض، وعن عدد المواقع التي تعمل أصلًا قبل استيفاء الحد الأدنى من شروط الأمان.

 

ومن هنا تأتي أهمية ما يقوله كمال عباس، لأن الرجل يربط بين تكرار الضحايا وبين غياب التفتيش الجاد وآليات الشكوى المستقلة والحماية الفعلية للعمال. وهذه الشهادة لا تنطلق من توصيف سياسي مجرد، بل من خبرة نقابية طويلة في متابعة إصابات العمل والحوادث المهنية، ولذلك تبدو أقرب إلى لائحة اتهام موجهة إلى دولة لم تمنع الحريق ولم تحاسب بما يكفي بعده.

 

كذلك فإن الدعوات الرسمية أو البرلمانية التي خرجت بعد حريق الزاوية الحمراء مطالبة بمراجعة شاملة لمنظومة السلامة داخل المنشآت الصناعية تؤكد أن الخلل لم يعد قابلًا للإنكار حتى داخل المجال الرسمي نفسه. وعندما تصل اللغة المستخدمة إلى التحذير من ضرورة التفتيش المنتظم وحماية الأرواح، فإن ذلك يعني أن التقصير صار أوضح من أن يُخفى وراء بيانات التهدئة.

 

وأخيرًا فإن الخلاصة التي تفرضها حرائق القاهرة الأخيرة واضحة ولا تحتاج إلى تجميل، وهي أن العمال يموتون داخل المصانع لأن الدولة لم تجعل السلامة المهنية أولوية فعلية تسبق الإنتاج والجباية والتراخيص الشكلية. فكل حريق جديد لا يكشف فقط خلل مبنى أو سلكًا مشتعلًا، بل يكشف منظومة كاملة تركت العامل وحده في مواجهة النار ثم حضرت بعد الكارثة لتعد بالتحقيق من جديد.