ارتفعت أسعار الفسيخ والرنجة في مصر أثناء موسم شم النسيم 2026 على نحو لافت، لتتحول الوجبة المرتبطة بالمناسبة إلى عنوان جديد لضيق المعيشة واتساع الفجوة بين دخل الأسر وتكلفة الطعام.
السوق لم يستقبل الموسم بحالة استقرار، بل دخل الأيام الأخيرة قبل الاحتفال بينما كانت كلفة الوقود قد ارتفعت رسميًا منذ 10 مارس، وصعد معها ضغط النقل والتشغيل والتخزين في قطاع يعتمد على حركة يومية سريعة وهوامش بيع مرتبطة بموسم قصير.
الأسعار الجديدة لم تضرب سلعة ترفيهية أو منتجًا هامشيًا، بل مست وجبة شعبية واسعة الحضور على موائد المصريين في شم النسيم، وخصوصًا لدى الأسر التي تلجأ إلى الأسماك باعتبارها بديلًا أقل كلفة من اللحوم والدواجن. ومع ارتفاع التضخم السنوي في المدن إلى 15.2% خلال مارس 2026، دخلت هذه الزيادة على سوق منهك أصلًا، لا على سوق قادر على امتصاص موجة جديدة من الغلاء.
الوقود ينقل الزيادة من محطات البنزين إلى أسواق الأسماك
قال محمد عبد الحليم، نائب رئيس شعبة الأسماك بغرفة القاهرة التجارية، إن زيادة أسعار البنزين كانت السبب الرئيسي وراء صعود أسعار الفسيخ والرنجة هذا الموسم، لأنها رفعت تكاليف النقل والإنتاج داخل المزارع السمكية. عبد الحليم أوضح في 18 مارس أن هذه الزيادة دفعت الأسعار إلى الصعود بنسب تراوحت بين 20% و30% مقارنة بالعام الماضي، قبل حلول شم النسيم بأسابيع.
ثم جاءت الأسعار الاسترشادية المتداولة في الأسواق لتؤكد هذا المسار، إذ تراوح سعر كيلو الفسيخ بين 550 و600 جنيه، بينما وصلت الرنجة الجامبو إلى 300 و400 جنيه، وتجاوزت الرنجة الهولندية المدخنة 1000 جنيه للكيلو في بعض المعروضات. هذه الأرقام لم تظهر فجأة، بل لحقت مباشرة بقرار رفع أسعار الوقود الذي شمل البنزين والسولار وغاز تموين السيارات وأسطوانات البوتاجاز.
وبعد ذلك، بدا واضحًا أن الحكومة لم تنجح في منع انتقال أثر زيادة الوقود إلى السلع الغذائية الموسمية، رغم حساسية التوقيت وارتباط الموسم بطلب شعبي واسع. بيانات وزارة البترول أظهرت أن سعر بنزين 80 ارتفع من 17.75 إلى 20.75 جنيه، وبنزين 92 من 19.25 إلى 22.25 جنيه، والسولار من 17.5 إلى 20.5 جنيه، وهي زيادات انعكست سريعًا على حلقات التداول والنقل.
من البوري إلى الفسيخ ترتفع كلفة الخام والتصنيع معًا
وأشار محمد عبد الحليم إلى أن الفسيخ يعتمد أساسًا على سمك البوري، ولذلك فإن ارتفاع تكلفة البوري ينعكس تلقائيًا على سعر الفسيخ بعد التمليح والتخزين. عبد الحليم قال إن سعر كيلو البوري قبل التصنيع يتراوح بين 170 و200 جنيه، ثم يقفز بعد التمليح إلى ما بين 600 و700 جنيه، بفعل كلفة التشغيل والتخزين وهامش الربح.
وفي هذا السياق، قدم الدكتور صلاح مصيلحي، رئيس جهاز تنمية البحيرات والثروة السمكية، تفسيرًا مباشرًا لضغط الكلفة حين قال إن الأعلاف وحدها تمثل 75% من تكلفة الإنتاج في القطاع. مصيلحي أوضح أيضًا أن مصر تستورد سنويًا نحو 187 ألف طن من الأسماك الباردة، ومنها الرنجة والسردين والماكريل، بما يجعل السوق أكثر تعرضًا لتقلبات مدخلات الاستيراد والإنتاج.
وبسبب هذا التركيب المزدوج بين خام محلي مرتفع الكلفة ومنتجات مستوردة مرتبطة بفاتورة استيراد أعلى، لم تعد الزيادة محصورة في سلعة واحدة أو فئة واحدة من المشترين. الرنجة المحلية ارتفعت، والرنجة المستوردة تجاوزت في بعض العروض حدودًا غير مسبوقة، بينما انتقلت كلفة الأعلاف والوقود والتخزين إلى السعر النهائي في توقيت قصير، وقبل مناسبة موسمية لا تحتمل تأجيل الطلب.
الإقبال مستمر لكن عبء المائدة يزداد على الأسر الأضعف
ويأتي هذا الارتفاع بينما يحتفظ السمك بمكانة أساسية على موائد المصريين، لا سيما لدى الأسر التي تراجعت قدرتها على شراء اللحوم والدواجن. لذلك لا تبدو زيادة الفسيخ والرنجة مجرد تبدل موسمي في أسعار سلع احتفالية، بل تبدو امتدادًا مباشرًا لضغط معيشـي أوسع، تضاعف مع صعود التضخم الشهري إلى 3.2% في مارس وارتفاع الرقم السنوي إلى 15.2%.
ورغم ذلك، أكد عبد الحليم أن السوق يشهد إقبالًا ملحوظًا على شراء الفسيخ والرنجة مع تزامن المواسم والأعياد، وهو ما أبقى حركة البيع نشطة ومنح التجار موسمًا جيدًا. هذا الإقبال لا ينفي الغلاء، بل يوضح أن المستهلك يدفع أكثر ليحافظ على عادة موسمية راسخة، حتى عندما تصبح الوجبة نفسها عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسرة.
وفي المقابل، قال حازم المنوفي، عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية، إن الأسواق تشهد استقرارًا نسبيًا مع توافر كميات كافية من السلع المرتبطة بشم النسيم. غير أن هذا التقدير يتصل بوفرة المعروض أكثر مما يتصل براحة المستهلك، لأن وجود السلعة في السوق لا يبدد حقيقة أن الأسعار صعدت، ولا يخفف أثر الزيادة على الأسر الأقل دخلًا.
كما أضاف إسلام الجزار، المتحدث الرسمي باسم جهاز حماية المستهلك، بُعدًا ثالثًا للمشهد حين أعلن في 8 أبريل رفع درجة الاستعداد القصوى وتكثيف الحملات على الأسواق المرتبطة بشم النسيم، خاصة أماكن بيع الفسيخ والرنجة. هذا التحرك الرقابي يوضح أن الدولة تعرف حساسية الموسم وخطورة التلاعب، لكنه لا يغير أصل المشكلة المرتبطة بارتفاع الكلفة قبل وصول السلعة إلى المستهلك.
وهكذا تكشف سوق الفسيخ والرنجة في شم النسيم أن زيادة الوقود ومدخلات الإنتاج لا تبقى في حدود القرارات الرسمية أو حسابات التجار، بل تنتقل سريعًا إلى مائدة المصريين في أبسط مواسمهم الشعبية. ومع استمرار صعود الكلفة وتراجع القدرة الشرائية، لا يعود السؤال متعلقًا بسعر كيلو الفسيخ وحده، بل بقدرة الأسر على الحفاظ حتى على العادات الغذائية التي كانت تعد في سنوات سابقة أقل كلفة وأكثر قربًا من متناول الجميع.

