أكدت تصريحات خالد البلشي، نقيب الصحفيين، اليوم، أن أزمة النشر في مصر لم تعد مرتبطة فقط بحدود التغطية المهنية أو بحماية سير التحقيقات، بل صارت مرتبطة أيضا باتساع الميل الرسمي إلى تقييد تداول المعلومات كلما تصاعد الجدل العام حول قضية جنائية أو اجتماعية.
البلشي قال بوضوح إن حظر النشر لا يمكن أن يكون وسيلة فعالة للتعامل مع القضايا المختلفة، وإن الأصل أن تصدر قرارات الحظر في أضيق نطاق ممكن ولحماية سير العدالة فقط، لا لتقييد المعرفة داخل المجتمع. هذه الصياغة لم تأت في فراغ، لأنها صدرت بعد يوم واحد من قرار النائب العام بحظر النشر في 3 قضايا أثارت تداولا واسعا على منصات التواصل، وهو ما وضع النقابة مجددا أمام سؤال قديم يتجدد كلما توسعت السلطة في المنع بدل تنظيم النشر بقواعد مهنية واضحة.
وضعت هذه التصريحات النقاش في مساره المباشر، لأن البلشي لم يرفض حماية الضحايا أو احترام التحقيقات، لكنه رفض تحويل الحظر إلى أداة عامة لإدارة المجال العام من أعلى. كما شدد على أن المجتمعات تواجه تحدياتها عبر التعامل المهني مع الحقائق لا عبر حجبها، وأن التدفق الكثيف للمعلومات على وسائل التواصل يجعل فرض قيود واسعة على النشر أمرا شديد الصعوبة وضعيف الجدوى. لذلك انتقل نقيب الصحفيين من نقد قرار الحظر الواسع إلى التحذير من التناول غير المنضبط والسعي وراء الانتشار السريع من دون قواعد، ثم دعا إلى مواثيق واضحة وتدريب ومحاسبة نقابية ومهنية. وبهذا المعنى جاءت ملاحظاته باعتبارها اعتراضا على التوسع في المنع من جهة، وتحميلا للمؤسسات الصحفية مسؤولية ضبط الأداء من جهة ثانية.
حظر النشر يتسع والسلطة تفضل المنع على إتاحة المعلومات
جاءت تصريحات البلشي بعد قرار النائب العام بحظر النشر في 3 قضايا شملت واقعتين في المنوفية تتعلقان باعتداءات جنسية على أطفال وواقعة في الإسكندرية تتعلق بوفاة سيدة، مع قصر النشر على البيانات الصادرة من مكتب النائب العام. هذا الترتيب الزمني أعطى كلام النقيب وزنه السياسي والمهني، لأنه صدر في لحظة توسع فيها المنع إلى جميع وسائل الإعلام والصحف والمجلات والمواقع والشبكات الاجتماعية دفعة واحدة.
ثم أوضح البلشي أن الأصل في الحظر أن يكون ضيقا ومقصورا على حماية سير العدالة فقط، وهي صياغة تضع حدا فاصلا بين إجراء قضائي استثنائي وبين سياسة عامة لتقليل تداول المعلومات. هذا الفارق كان جوهريا في تصريحه، لأن النقاش لم يعد يدور حول قضية واحدة أو واقعة بعينها، بل حول ما إذا كانت مؤسسات الدولة تستخدم الحظر لمعالجة الارتباك الإعلامي بدل مواجهة الفوضى بأدوات مهنية وقانونية أقل تقييدا.
كما عزز الصحفي جمال فهمي هذا المعنى عندما قال في فبراير إن الحريات الإعلامية في مصر تراجعت عما قبل 25 يناير، وربط ذلك بتأميم المجال الإعلامي وتوزيع سلطاته بين جهات تنظيمية لا توفر استقلالا فعليا. هذه الشهادة اكتسبت أهمية إضافية هنا، لأن البلشي كان يناقش أداة بعينها هي حظر النشر، بينما وضع فهمي الأداة داخل سياق أوسع من القيود المتراكمة التي تجعل المنع أسهل من إقرار الحق في المعرفة.
بعد ذلك أضاف البلشي في فبراير داخل مجلس الشيوخ أن الإذن المسبق للتصوير يمثل رقابة سابقة، وطالب وقتها بتفعيل القوانين القائمة وإقرار قانون لتداول المعلومات، مؤكدا أن المعلومات تهزم الشائعات. هذا الربط بين رفض الإذن المسبق ورفض الحظر الواسع كشف ثبات موقفه في ملفين متصلين، لأن النقطة المشتركة بينهما هي اعتراضه على أن تتحول السلطة من تنظيم العمل الصحفي إلى التحكم المسبق في ما يجوز نشره أو تصويره.
النقابة ترد بالمهنية وتحمّل الصحفيين مسؤولية ضبط التغطية
انتقل البلشي في تصريحه الأخير من نقد الحظر إلى نقد الممارسات التي تفتح الباب أمامه، فحذر من خطورة السعي وراء ما سماه كثيرون الصدارة السريعة على المنصات من دون ضوابط مهنية. هذا التحذير كان مباشرا، لأن النقيب قال إن الممارسات غير المنضبطة قد تدفع نحو زيادة القيود على العمل الصحفي، بما يضر بالمهنة والمجتمع معا. بهذا الربط حمّل البلشي بعض التغطيات المنفلتة جزءا من مسؤولية توسع السلطة في المنع.
ثم شدد البلشي على أن الحل يبدأ من داخل الوسط الصحفي نفسه عبر حملة لضبط الأداء المهني والالتزام بالمعايير الأخلاقية وتجنب الأخطاء التي تستخدم لتبرير مزيد من القيود. هذا الطرح لم يكن منفصلا عن مسار نقابي قائم بالفعل، لأن نقابة الصحفيين أعلنت في أبريل استمرار الحوار حول لائحة القيد الجديدة وميثاق الشرف الصحفي المقترح، وفتحت الباب لتلقي المقترحات تمهيدا لإقرارها في الجمعية العمومية.
وفي السياق نفسه برزت مداخلة محمود كامل عضو مجلس النقابة في 1 أبريل عندما طالب المصورين الصحفيين ورؤساء التحرير بالالتزام بالقواعد المهنية وعدم تصوير جنازة والد الفنان حاتم صلاح، موضحا أن القواعد المعتمدة من شعبة المصورين والنقابة تسمح بتصوير جنازات الشخصيات العامة فقط. هذا المثال قدم تطبيقا عمليا لفكرة البلشي، لأن النقابة هنا لم تطلب حظرا عاما، بل طالبت باحترام ضوابط مهنية محددة داخل واقعة بعينها.
وبالتوازي مع ذلك نشرت النقابة في فبراير مواد تتعلق بحماية الضحايا وكرامتهم داخل مشروع الميثاق، وأكدت أن عدم كشف البيانات الشخصية أو الصور أو المقاطع الخاصة يمثل التزاما مهنيا أصيلا. أهمية هذا المسار أنه ينقل النقاش من مستوى الشعارات إلى مستوى القواعد القابلة للتطبيق، ويجعل النقابة قادرة على القول إن حماية الخصوصية لا تستلزم إسكات المجتمع كله، بل تستلزم إلزام الصحفيين بحدود واضحة ومعلنة.
بين حق المجتمع في المعرفة وغياب الإصلاح القانوني تتحدد الأزمة
جاءت تصريحات البلشي أيضا وفي خلفيتها نصوص دستورية تكفل حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة وتحظر فرض الرقابة على الصحف ووسائل الإعلام إلا في حالات استثنائية. هذا الإطار القانوني يجعل أي توسع في الحظر موضوعا سياسيا ومهنيا في الوقت نفسه، لأن المسألة لا تتعلق فقط بتقدير النيابة أو المحكمة، بل بحدود السلطة نفسها في حجب المعلومات عن المجتمع خارج أضيق نطاق ممكن.
ثم أظهرت ملاحظات البلشي في مجلس الشيوخ خلال فبراير أن النقابة لا تطرح الحرية بمعزل عن المحاسبة، بل تطرح معادلة مختلفة تقوم على حرية في مقابل مسؤولية وشفافية في مقابل التزام مهني. هذا التصور ظهر أيضا في مقال تناول موقفه باعتباره رفضا لتحويل الإذن المسبق إلى قاعدة عامة، مع الإصرار في المقابل على ميثاق شرف محدث وآليات مساءلة واضحة للمخالفين. بذلك صار موقف النقابة موثقا على مستويين، رفض الرقابة السابقة ورفض الانفلات المهني معا.
كما دعمت المفوضية المصرية للحقوق والحريات هذا الاتجاه حين رصدت في تقريرها الصادر في 4 أبريل استمرار الانتهاكات والقيود الواقعة على الصحفيين والإعلاميين خلال مارس، وهو ما أظهر أن أزمة حرية النشر لا تتعلق فقط بقرار حظر واحد أو واقعة عابرة. هذا الرصد الحقوقي أضاف إلى شهادة جمال فهمي بعدا توثيقيا أوسع، لأن الحديث عن التقييد جاء هنا مسنودا بمتابعة شهرية للانتهاكات لا بمجرد تقدير سياسي عام.
وأخيرا يكتسب موقف يحيى قلاش وزنا في هذا السياق، إذ شدد في 2025 على أن استقلال الإعلام لن يتحقق إلا بإحياء نصوص الدستور وإنهاء تبعية الهيئات للسلطة التنفيذية، وهو طرح ينسجم مع خط البلشي الحالي من زاوية مختلفة. قلاش تحدث عن البنية المؤسسية، والبلشي تحدث عن قرارات الحظر والانضباط المهني، لكن النتيجة التي جمعتهما واحدة، وهي أن حماية المجتمع لا تتحقق بتوسيع المنع، بل بإطلاق صحافة مسؤولة داخل ضمانات دستورية حقيقية.
وهكذا يظهر الملف بصورته الكاملة، حيث اصطدم قرار رسمي واسع بحظر النشر مع اعتراض نقابي صريح على تحويل المنع إلى أداة إدارة عامة، ومع دعوة متزامنة إلى تشديد الانضباط المهني داخل غرف الأخبار. هذه الصورة لا تكشف أزمة تغطية فقط، بل تكشف أيضا أن السلطة ما زالت تختار الطريق الأسهل وهو تقليل المعرفة، بينما تطالب النقابة بطريق أكثر صعوبة وهو نشر الحقيقة وفق قواعد مهنية صارمة ومحاسبة واضحة. وعندما يصبح الحق في المعرفة معلقا بين المنع الرسمي والفوضى غير المنضبطة، فإن مسؤولية إنقاذ المجال الصحفي تقع على إصلاح القواعد لا على إغلاق النوافذ.

