تستعد الحكومة المصرية لطرح سندات دولية بقيمة 4 مليارات دولار خلال العام المالي المقبل، بحسب ما أعلنه وزير المالية أحمد كجوك، في وقت تواصل فيه السلطة تسويق خطاب مطمئن عن تحسن وشيك في مؤشرات الدين وخدمته وآجاله.
غير أن الإعلان نفسه يكشف تناقضًا قائمًا في إدارة الملف، لأن الدولة تتحدث عن خفض المديونية بينما تفتح في الوقت نفسه باب اقتراض خارجي جديد بالدولار، وسط ضغوط تمويلية مرتفعة واقتصاد يواجه كلفة خدمة دين تلتهم حصة ضخمة من الإنفاق العام. وزارة المالية تقول إن لديها استراتيجية متكاملة، لكن الوقائع المالية المنشورة خلال الشهور الماضية تُظهر أن الأزمة لم تُحسم، وأن عبء الدين ما زال يضغط على الموازنة وعلى مساحة الإنفاق الاجتماعي والإنتاجي معًا.
يأتي هذا الطرح المرتقب بعد تأكيدات رسمية متكررة بأن الحكومة تستهدف خفض دين أجهزة الموازنة إلى 78% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027، وخفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بنحو 2 مليار دولار سنويًا، وتقليل الاحتياجات التمويلية إلى نحو 10% من الناتج المحلي على المدى المتوسط. لكن هذه الأهداف المعلنة تصطدم بحقيقة أن الدولة ما زالت تعتمد على أسواق الدين الدولية والمحلية وعلى برامج التمويل الخارجي لسد احتياجاتها، بينما يرى صندوق النقد الدولي أن احتياجات التمويل الإجمالية لا تزال مرتفعة وأن التقدم في الإصلاحات الأعمق ما زال محدودًا ويضغط على الحيز المالي المتاح.
الحكومة تتحدث عن خفض الدين بينما تفتح باب اقتراض جديد
قال كجوك إن الدولة تعمل “بكل جد وجهد وتوازن” لتحسين مؤشرات المديونية الحكومية، وأكد أن المرحلة المقبلة ستشهد تحسنًا قويًا في الدين وخدمته وآجاله. كما أوضح أن الحكومة تستهدف خفض فاتورة خدمة الدين إلى 35% من مصروفات الموازنة على المدى المتوسط، مع توجيه أي إيرادات استثنائية إلى خفض حجم ونسبة المديونية الحكومية إلى الناتج المحلي. هذه الصياغة الرسمية تركز على الأهداف، لكنها لا تلغي أن الطرح الجديد يعني عمليًا إضافة التزامات تمويلية جديدة بالدولار إلى هيكل دين ما زال ثقيلًا.
ثم يتسع التناقض لأن الوزير نفسه قال إن الحكومة تعمل على تنويع مصادر وأدوات التمويل المحلية والدولية، والتوسع في التمويلات الميسرة، والاستمرار في إصدار سند المواطن والصكوك وأدوات جديدة تستهدف شرائح أوسع من المدخرين. معنى ذلك أن الدولة لا تتجه إلى تقليص الاعتماد على الاقتراض، بل إلى إعادة توزيعه بين أدوات وأسواق مختلفة، وهو مسار قد يخفف بعض المخاطر الفنية لكنه لا يلغي حقيقة بقاء الدين نفسه في قلب نموذج التمويل القائم.
كما أن كجوك سبق أن أعلن في 5 فبراير 2026 أن مصر تخطط لإصدار سندات دولية بقيمة 2 مليار دولار حتى نهاية السنة المالية 2025-2026، مع دراسة أدوات تشمل السندات المستدامة واليورو والدولار. وبعد ذلك أعاد الحديث في مارس عن استهداف خفض نسبة الدين إلى 78% في موازنة 2026-2027. هذا التسلسل الزمني يكشف أن الطرح الجديد ليس خطوة منفصلة، بل امتداد مباشر لسياسة تمويل تعتمد على الاقتراض الخارجي حتى وهي تعلن أنها تريد تقليص نسبته.
وفي هذا السياق يقدم الخبير الاقتصادي وائل جمال قراءة أكثر تشددًا لطبيعة المسار نفسه، إذ يرى في مقالاته وتحليلاته المتكررة أن خفض النسبة لا يكفي وحده إذا ظل تمويل الموازنة قائمًا على مراكمة الديون وعلى توجيه الموارد إلى السداد وخدمة الالتزامات بدلًا من الاستثمار الاجتماعي والإنتاجي. هذا التقدير ينسجم مع الوضع الراهن، لأن الإعلان عن خفض النسبة جاء مقترنًا مباشرة بإعلان عن طرح سندات جديدة، لا بإعلان عن تقليص جوهري للاعتماد على الاقتراض.
خدمة الدين تلتهم الموازنة وتضغط على الإنفاق العام
يزداد هذا التناقض وضوحًا حين تُقرأ أرقام خدمة الدين في سياقها الأوسع. رويترز ذكرت في 4 أبريل 2026 أن مدفوعات الفائدة تستهلك ما يقرب من نصف الإنفاق الحكومي في مصر، وذلك بالتزامن مع قرارات رفع أسعار الكهرباء والوقود وخفض بعض بنود الإنفاق تحت ضغط الحرب الإقليمية وارتفاع فاتورة الاستيراد. هذا المعطى يعني أن مسألة الدين لم تعد مجرد مؤشر مالي في تقارير الوزارة، بل صارت عاملًا مباشرًا في تسعير الخدمات الأساسية وفي إعادة ترتيب أولويات الدولة على حساب المواطنين.
ثم تؤكد موازنة 2026-2027 التي وافق عليها مجلس الوزراء في 27 مارس 2026 أن الحكومة تستهدف خفض العجز الكلي إلى 4.9% من الناتج المحلي بحلول يونيو 2027، بالتوازي مع خفض الدين العام إلى نحو 78% من الناتج. لكن بلوغ هذا الهدف يعتمد على استمرار الفوائض الأولية والانضباط المالي في وقت تفرض فيه الحرب والغلاء وضغوط التمويل الخارجي تكاليف إضافية. لذلك تبدو الأهداف على الورق قابلة للعرض السياسي، لكنها تبقى معلقة على بيئة اقتصادية ومالية غير مستقرة أصلًا.
كما أن المنتدى الاقتصادي العالمي أشار في يناير 2026 إلى أن دين الموازنة العامة انخفض من نحو 96% من الناتج في يونيو 2023 إلى 85.6% في يونيو 2025، وقدم ذلك بوصفه نموذجًا لتحسين إدارة الدين. لكن هذا الانخفاض النسبي لا يحسم القضية، لأن خدمة الدين بقيت مرتفعة، ولأن نفس الفترة شهدت استمرار الاعتماد على أدوات الدين قصيرة ومتوسطة الأجل وعلى التمويل الخارجي. لذلك فإن تحسن النسبة لا يعني تلقائيًا أن الخطر تراجع بالقدر نفسه على الموازنة أو على الاقتصاد الحقيقي.
وفي هذا الموضع يكتسب رأي منى بدير، كبيرة الاقتصاديين في أحد بنوك الاستثمار، أهمية خاصة لأنها تربط بين إدارة الدين وبين تكلفة التمويل وسعر الفائدة وثقة المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المحلية. هذا الربط يفسر لماذا تركز الحكومة على تنويع الأدوات والآجال لا على الانسحاب من الاقتراض نفسه. لكنه يوضح أيضًا أن الدولة تبقى رهينة مزاج الأسواق العالمية وتقلبات الجغرافيا السياسية متى استمر اعتمادها بهذا الحجم على التمويل القائم على الدين.
الأهداف الحكومية تصطدم بتحذيرات الصندوق والنقاد
بعد ذلك تبرز الفجوة بين الرواية الحكومية والتحذيرات المستقلة بصورة أشد. صندوق النقد الدولي قال في مراجعة مارس 2026 إن السياسات النقدية والمالية المشددة ساعدت على استعادة بعض الاستقرار، لكنه أضاف أن التقدم المحدود في الإصلاحات الأعمق، وخاصة برنامج التخارج، ما زال يضغط على النمو متوسط الأجل ويحافظ على ارتفاع احتياجات التمويل الإجمالية ويهدد أهداف البرنامج. هذا التقييم يعني أن تحسين المؤشرات الحسابية وحده لا يكفي إذا ظلت بنية الاقتصاد نفسها عاجزة عن توليد نمو وتمويل مستدامين خارج حلقة الدين.
ثم جاءت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في تقريرها المنشور في أبريل 2026 لتقول بوضوح إن نسبة الدين الخارجي بلغت 44.2% من الناتج المحلي في يونيو 2025، بعدما كانت لا تتجاوز 15% في 2015، وإن مدفوعات خدمة الدين الخارجي وصلت إلى 53.6% من حصيلة الصادرات في 2025. هذه الأرقام لا تتعلق بدين أجهزة الموازنة فقط، لكنها تكشف أن سياسة الاقتراض الواسع راكمت عبئًا هيكليًا يتجاوز حدود الخطاب الحكومي المتفائل.
كما أن رويترز نقلت في فبراير 2026 عن صندوق النقد إتمام المراجعتين الخامسة والسادسة لمصر والإفراج عن نحو 2.3 مليار دولار، لكنها أشارت أيضًا إلى أن استمرار البرنامج ارتبط بجملة شروط وإصلاحات لم تُنجز كلها بعد. هذا يعني أن جزءًا من قدرة الحكومة على إدارة ملف الدين ما زال مرهونًا بتدفقات مؤسسية خارجية وبثقة المقرضين، لا بقدرة الاقتصاد المحلي وحده على تمويل نفسه وتخفيف عبء مديونيته بصورة مستقلة.
وفي هذا السياق يبرز رأي فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب والخبير الاقتصادي، الذي دافع أكثر من مرة عن مسار خفض الدين عبر الفائض الأولي وإطالة عمر الدين وتنويع الأدوات. غير أن هذا الدفاع نفسه يقر ضمنًا بأن الدولة لا تزال تعتمد على إدارة العبء لا على التخلص من أسبابه. فحين تكون السياسة الأساسية هي إعادة الجدولة وتحسين الشروط، فإن المشكلة تبقى قائمة ولو تغير شكلها أو توقيتها.
وأخيرًا يكشف إعلان طرح سندات دولية جديدة بقيمة 4 مليارات دولار أن الحكومة ما زالت تدور داخل الحلقة نفسها التي تقول إنها تريد الخروج منها. الوزير يتحدث عن خفض الدين، لكن الأداة المطروحة لتحقيق ذلك هي دين جديد. والدولة تتحدث عن تقليص خدمة الدين، بينما تلتهم الفوائد بالفعل ما يقارب نصف الإنفاق الحكومي. وصندوق النقد يتحدث عن استقرار نسبي، لكنه يحذر من إصلاحات ناقصة واحتياجات تمويل مرتفعة. لذلك فإن أخطر ما في هذا الملف ليس حجم السندات الجديدة وحده، بل استمرار تقديم الاقتراض نفسه بوصفه طريقًا إلى تخفيف الاقتراض، وهي معادلة لم تمنح المصريين حتى الآن سوى موازنة أكثر ضغطًا وخدمات أغلى ومساحة أضيق للإنفاق العام الحقيقي.

