ارتفعت أسعار أكثر من 3000 صنف دوائي في مصر خلال 2024 بنسبة تراوحت بين 25% و30%، فانعكس ذلك مباشرة على سلوك الشراء لدى المواطنين. أرقام سوق الدواء أظهرت أن قيمة المبيعات زادت بنحو 5% خلال النصف الأول من 2024 لتصل إلى نحو 90 مليار جنيه، بينما انخفض عدد الوحدات المباعة بنسبة 7%، وهو ما يعني أن السوق جمع أموالًا أكثر من عدد عبوات أقل، وأن المريض المصري صار يدفع أكثر ليحصل على علاج أقل. هذه الفجوة لا تكشف نموًا صحيًا في السوق، بل تكشف تآكلًا واضحًا في القدرة الشرائية، خصوصًا في بلد ما زال الإنفاق المباشر من جيب المواطنين يشكل أكثر من نصف الإنفاق الصحي، بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية.
الأزمة لم تبدأ عند شباك الصيدلية، بل بدأت حين تركت الدولة سوق الدواء أسيرًا لارتفاع سعر الصرف وكلفة الخامات المستوردة ثم تأخرت في تقديم معالجة تحمي المريض قبل المصنع. هيئة الدواء سمحت في يونيو 2024 بزيادات على أدوية الأمراض المزمنة بين 20% و25% وعلى بعض الفيتامينات والمكملات حتى 50%، ثم توالت طلبات جديدة من الشركات خلال أغسطس بالمتوسط نفسه تقريبًا. وبعد ذلك اضطرت الحكومة في 9 أغسطس 2024 إلى تخصيص 7 مليارات جنيه لمواجهة نواقص الأدوية والمستلزمات الطبية، في اعتراف متأخر بأن التسعير وحده لم يحل الأزمة ولم يحم السوق من الارتباك.
زيادة الأسعار رفعت الفاتورة وخفضت العبوات
في هذا السياق حملت أرقام النصف الأول من 2024 الدلالة الأوضح على ما جرى داخل السوق. قيمة المبيعات ارتفعت 5% إلى نحو 90 مليار جنيه، لكن عدد الوحدات المباعة تراجع 7%، وهو ما يؤكد أن ارتفاع الإنفاق لم ينتج عن توسع استهلاك العلاج، بل عن اضطرار المرضى إلى شراء عبوات أقل بسعر أعلى. هذا التحول يضعف الحجة الرسمية التي تقدم الزيادة بوصفها أداة لإنقاذ الصناعة فقط، لأن أثرها ظهر فورًا على استهلاك المواطنين أنفسهم.
ثم جاء تصريح علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، ليؤكد أن ما بين 80 و100 شركة دواء تقدمت إلى هيئة الدواء في أغسطس 2024 بطلبات جديدة لرفع الأسعار بمتوسط 25% إلى 30%. كما أوضح أن هذه الزيادات لم تقتصر على صنف واحد أو فئة ضيقة، بل شملت مضادات حيوية وأدوية أمراض مزمنة وحساسية وإسهال، بما يكشف أن موجة الرفع كانت واسعة ومتصلة بالحركة الكلية للسوق لا بحالات استثنائية محدودة.
وبسبب ذلك لم يعد الحديث عن السوق يدور حول “زيادة” مجردة، بل حول إعادة تسعير واسعة مست حياة المرضى اليومية. تقديرات صحفية استندت إلى بيانات السوق أكدت أن مبيعات الدواء مرشحة لبلوغ 200 مليار جنيه بنهاية 2024، مع استمرار أثر الزيادات السعرية على الأرباح الاسمية للشركات. لكن هذه الزيادة الاسمية نفسها لا تعني تحسنًا في العدالة الصحية، لأن القيمة ارتفعت بينما الكمية تراجعت، وهو الفارق الذي يدفعه المريض نقدًا من دخله المحدود.
ولذلك اكتسب رأي الدكتور محفوظ رمزي، رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، أهمية خاصة حين قال إن أدوية الأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر كان متوقعًا أن ترتفع بين 25% و30%، وربط ذلك بالقفزة الكبيرة في سعر الدولار من 30 إلى 48 جنيهًا للشركات الدوائية. هذا التفسير يشرح دوافع المصانع، لكنه في الوقت نفسه يثبت أن المواطن تُرك وحده ليتحمل أثر تقلبات العملة في سلعة لا تحتمل التأجيل أو الاستغناء.
نقص الدواء رافق الزيادة ولم ينته معها
وبعد موجة الرفع لم تستقر السوق فورًا كما روجت بعض الجهات، لأن أزمة النواقص ظلت قائمة لأشهر لاحقة. رئيس هيئة الدواء علي الغمراوي قال في 2 أغسطس 2024 إن أزمة نقص الدواء ستنتهي خلال شهرين، بينما أوضح علي عوف بعد ذلك بأيام أن عدد الأصناف الناقصة انخفض من قرابة 1000 صنف إلى نحو 500، ما يعني أن النقص كان لا يزال كبيرًا حتى بعد السماح بالزيادات وإقرار الدعم الحكومي الإضافي.
كما أن الحكومة نفسها أقرت بوجود خلل يتجاوز التسعير حين أعلنت تخصيص 7 مليارات جنيه لتدبير نواقص الأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات والصيدليات. هذا التدخل المالي لم يكن إجراءً عاديًا، بل جاء لأن السوق لم يستعد توازنه تلقائيًا بعد قرارات الزيادة. وحين تضطر الحكومة إلى ضخ هذا المبلغ بعد الرفع، فإن ذلك يعني أن نقل الكلفة إلى المريض لم يكن كافيًا لحل اختناقات الاستيراد والتصنيع والتوزيع.
ثم ظهر بعد آخر للأزمة حين تحدثت تقارير عن اختفاء أدوية مزمنة وحساسة من الصيدليات، مثل أدوية السكري وبعض العلاجات النفسية، بسبب نقص العملة الصعبة وصعوبة تدبير المواد الخام والأدوية المستوردة. تقارير صحفية دولية ومحلية وثقت لجوء بعض المرضى إلى بدائل غير مضمونة أو إلى السوق الموازية بحثًا عن العلاج، وهو ما يكشف أن الزيادة لم تأتِ في بيئة مستقرة أصلًا، بل فوق سوق تعاني نقصًا وضغطًا مزمنين.
وفي هذا الموضع جاء تحذير محمد فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، ليضيف بُعدًا حقوقيًا مباشرًا إلى الأزمة. فؤاد تحدث في أغسطس 2024 عن انفراجة تدريجية بعد بدء تدفق نحو 80 نوع دواء من الأكثر استهلاكًا، لكنه أكد أن الأزمة الفعلية تعود إلى اعتماد الصناعة على استيراد نحو 95% من المواد الخام. هذا التوصيف يعني أن السوق بقيت رهينة للعملة الأجنبية، وأن أي علاج مؤقت يظل مهددًا ما دامت البنية نفسها لم تتغير.
المرضى يدفعون من جيوبهم ودولة العلاج الشامل تتأخر
وبسبب هذا الوضع يتحمل المواطن العبء الأكبر قبل أي طرف آخر. منظمة الصحة العالمية قدرت في استراتيجية التعاون مع مصر أن الإنفاق المباشر من جيب المواطنين ظل يمثل 59.3% من الإنفاق الصحي في 2020 ثم تراجع إلى تقدير يبلغ 54.9% فقط، وهو ما يعني أن العلاج في مصر ما زال قائمًا بدرجة كبيرة على قدرة الأسرة على الدفع الفوري. حين ترتفع أسعار الدواء بهذه النسب، فإن الضغط ينتقل فورًا إلى البيت المصري لا إلى ميزانية الدولة وحدها.
كما أن المنتدى الاقتصادي العالمي أشار في تقريره عن استدامة النظام الصحي المصري إلى أن أكثر من 60% من الإنفاق الصحي يأتي من الجيب الخاص، مع انخفاض الإنفاق الصحي الكلي قياسًا إلى الناتج المحلي. هذا المعطى يفسر لماذا يتحول أي رفع كبير في أسعار الأدوية إلى أزمة اجتماعية لا إلى تعديل محاسبي فقط. فالمواطن هنا لا يواجه سوقًا مدعومًا بالكامل، بل يواجه نظامًا صحيًا يدفعه إلى تمويل العلاج بنفسه في أغلب الحالات.
ولأن الأدوية تمثل جزءًا رئيسيًا من الإنفاق الصحي المباشر، فإن أثر الغلاء يظهر بسرعة في سلوك الشراء. دراسة منشورة في 2024 حول الفقر والإنفاق الصحي في مصر خلصت إلى أن المدفوعات الصحية المباشرة دفعت في المتوسط نحو 30% من الأسر إلى الفقر خلال سنوات الدراسة. هذه النتيجة لا تخص الدواء وحده، لكنها تضع ارتفاع أسعار العلاج داخل سياق أوسع، حيث يتحول المرض نفسه إلى طريق سريع لاستنزاف الدخل وربما السقوط تحت خط الفقر.
ثم يزداد التناقض وضوحًا لأن الدولة تواصل الحديث عن تعميم التأمين الصحي الشامل وتحسين إتاحة العلاج، بينما تكشف السوق عمليًا أن الوصول إلى الدواء بقي مرتبطًا بالقدرة على السداد. وزير الصحة خالد عبد الغفار قال في فبراير 2025 إن نسبة ما يدفعه الأفراد من جيوبهم ما زالت أعلى من إنفاق الحكومة، مع وعد بانخفاضها تدريجيًا مع اتساع التأمين الصحي الشامل. لكن أزمة 2024 أثبتت أن هذا الانخفاض الموعود لم يصل بعد إلى الصيدلية ولا إلى المريض المزمن.
ولهذا تبدو أزمة أسعار الدواء أكثر من مجرد موجة غلاء عابرة. السوق رفعت قيمة مبيعاتها لأن الأسعار صعدت، لا لأن المرضى حصلوا على علاج أكثر. الحكومة سمحت بزيادات واسعة ثم ضخت مليارات لعلاج النقص، والشركات تحدثت عن الكلفة، والخبراء ربطوا الأزمة بالدولار والمواد الخام، بينما ظل المواطن يشتري أقل ويدفع أكثر. هذه هي الحقيقة التي تكشفها أرقام 2024 بوضوح كامل، وهي أن سلعة تتصل بالحياة والصحة جرى تحميلها على كتف المريض في بلد لم ينجز بعد حماية فعلية لحق العلاج.

