تتسع الفجوة داخل المستشفيات الحكومية في مصر على نحو يصعب تجاهله، بعدما تراجعت أعداد الأطباء في القطاع الحكومي بنسبة 1.7% بين 2023 و2024، في الوقت نفسه الذي ارتفع فيه عدد السكان داخل البلاد بنسبة 1.3% خلال 2024. هذا التراجع المتزامن لا يعني مجرد خلل إداري عابر، بل يعني أن كل طبيب باق في الخدمة صار مطالبًا بخدمة عدد أكبر من المرضى داخل منظومة تعاني أصلًا نقصًا مزمنًا في الموارد والأفراد.

 

تكشف هذه الأرقام أن خطاب الحكومة عن تحسين الأوضاع لم ينجح حتى الآن في إيقاف العزوف عن العمل داخل المستشفيات العامة. بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت أن عدد المستشفيات الحكومية انخفض من 678 إلى 677 مستشفى في 2024، بينما ارتفع إجمالي الأطباء في كل القطاعات الصحية إلى 164,016 طبيبًا وطبيب أسنان، وهو ما يعني أن الزيادة الكلية لم تنعكس على القطاع الحكومي الذي يعتمد عليه ملايين المصريين في العلاج اليومي.

 

تراجع العدد داخل الحكومة يضاعف العبء على من تبقوا

 

تراجع عدد الأطباء في القطاع الحكومي من 161,871 في 2023 إلى 164,016 في 2024 على مستوى جميع القطاعات لا ينفي أن نصيب الحكومة نفسها تراجع، لأن البيان الرسمي يذكر صراحة أن الأطباء الحكوميين انخفضوا 1.7% في 2024 رغم ارتفاع الأسرة 1.5% فقط، وتراجع عدد المستشفيات الحكومية 0.15%. هذه المعادلة تعني أن الدولة وسعت الطلب على الخدمة أكثر مما حسنت القدرة البشرية على تقديمها.

 

وبسبب هذا التراجع صار الضغط اليومي على الطبيب الحكومي أكبر من السابق، خصوصًا مع استمرار الزيادة السكانية. بيانات تعداد السكان الرسمية أظهرت أن عدد سكان مصر ارتفع إلى 107,205,591 بنهاية 2024 بزيادة 1.4 مليون نسمة تقريبًا، أي 1.3% خلال عام واحد. ومع انخفاض الأطباء الحكوميين في الفترة نفسها، يصبح التراجع في نصيب المواطن من الطبيب داخل القطاع العام نتيجة مباشرة وليست استنتاجًا مبالغًا فيه.

 

ثم تتأكد المشكلة أكثر حين تُقاس بالكثافة الطبية. رويترز نقلت في يناير 2025 أن مصر لديها 12.8 طبيبًا لكل 10,000 نسمة وفق الإحصاءات الرسمية، مقابل متوسط عالمي يبلغ 17.2 لكل 10,000 نسمة في 2022. هذا الفارق لا يعكس فقط نقصًا عدديًا، بل يعكس أيضًا ضغطًا تشغيليًا مستمرًا داخل مستشفيات عامة تعتمد على طواقم أقل من المطلوب لخدمة قاعدة سكانية أكبر من قدرتها الفعلية.

 

وفي هذا السياق قال الدكتور إبراهيم الزيات، عضو مجلس نقابة الأطباء السابق، إن الشكوى الأكثر تكرارًا داخل المستشفيات هي عدم وجود سرير للمريض، وإن أسر المرضى كثيرًا ما توجه غضبها إلى الطبيب نفسه. الزيات أضاف أن معدل الاستقالات ارتفع من نحو 6 أطباء يوميًا قبل سنوات إلى 12 طبيبًا يوميًا، أي طبيب واحد كل ساعتين تقريبًا، وهو ما يربط النقص العددي مباشرة بزيادة الضغط والعنف المهني.

 

العزوف عن المستشفيات الحكومية ليس حادثًا طارئًا بل مسار مستمر

 

تسير ظاهرة العزوف عن العمل الحكومي في خط واضح منذ سنوات، ولم تبدأ مع بيانات 2024 فقط. نقابة الأطباء كانت قد أعلنت سابقًا أن 11,536 طبيبًا استقالوا من القطاع العام بين 2019 ومارس 2022، بينما وصفت تقارير لاحقة هذا المسار بأنه نزيف مستمر لا يتوقف عند الاستقالة المحلية، بل يمتد إلى الهجرة والعمل بالخارج. استمرار هذا المعدل يفسر لماذا يتراجع الحضور الفعلي للأطباء داخل المستشفيات الحكومية رغم تخرج دفعات جديدة كل عام.

 

كما أن رويترز أكدت في يناير 2025 أن الأطباء أنفسهم يعزون الأزمة إلى ضعف التمويل وسوء كفاءة المنظومة وضغط العمل، لا إلى النصوص القانونية وحدها. التقرير نقل عن أطباء يعملون أو هاجروا أن المستشفيات العامة تعمل بميزانيات محدودة، وأن بعض الأطباء يضطرون إلى الدفع من جيوبهم لتوفير مستلزمات أساسية مثل القفازات والخيوط الجراحية، وهو ما يجعل بيئة العمل طاردة بطبيعتها لا بمجرد الانطباع.

 

ثم إن رئيس نقابة الأطباء الدكتور أسامة عبد الحي طالب، وفق ما نقلته رويترز، بتمييز واضح بين الإهمال الطبي الذي يوجب الملاحقة، وبين الأخطاء التي تُعالج بالتعويض للمريض لا بالغرامة للدولة. أهمية هذا الموقف أنه يوضح أن النقابة نفسها لا ترى الأزمة في بند واحد، بل في مناخ كامل يضع الطبيب تحت ضغط العمل ونقص الإمكانات وخطر العقاب من دون أن يحل أصل المشكلة داخل المستشفى الحكومي.

 

وفي هذا الإطار جاءت دراسة “استنزاف الأطباء المصريين” المنشورة في 2025 للدكتورة هالة إسماعيل لتؤكد أن ارتفاع عدم الرضا عن بيئة العمل يقود إلى خسائر كبيرة في الموارد البشرية الصحية. الدراسة خلصت إلى أن انخفاض الرضا المهني والاقتصادي يرتبط بقوة بالرغبة في الهجرة أو ترك العمل، وهو ما ينسجم مع الأرقام الرسمية التي تظهر تراجعًا حكوميًا رغم توسع الاحتياج السكاني إلى الأطباء والخدمة العلاجية.

 

الحكومة تتحدث عن تحسين الأوضاع لكن المؤشرات لا تعكس احتواء الأزمة

 

تقول الحكومة إن قانون المسؤولية الطبية وتحسين بيئة الممارسة يهدفان إلى إبقاء الأطباء في البلاد وتحسين المنظومة. المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار قال لرويترز إن القانون يسعى إلى تطوير العلاقة بين الطبيب والمريض وتحسين بيئة العمل والإبقاء على الأطباء داخل مصر. لكن بيانات 2024 نفسها، إلى جانب تصاعد الشكاوى من العجز والضغط، لا تُظهر حتى الآن أن هذا الخطاب الرسمي ترجم نفسه إلى استقرار فعلي داخل المستشفيات الحكومية.

 

وبعد ذلك يصبح الغياب الرسمي عن معالجة الملف أكثر وضوحًا، لأن المؤشرات البشرية لا تتحسن بالسرعة المطلوبة. صحيح أن عدد هيئة التمريض في القطاع الحكومي ارتفع 2.6% في 2024، لكن الزيادة في التمريض لا تعوض التراجع في الأطباء، خاصة داخل منظومة تعاني أصلًا انخفاضًا في عدد المستشفيات الحكومية نفسها. وحين تزداد أعباء الطبيب مع كل زيادة سكانية جديدة، فإن أي تحسن جزئي في بند آخر لا يوقف شعور العجز داخل الخدمة العامة.

 

كما أن دراسة منشورة في دورية منظمة الصحة العالمية عام 2021 بقيادة الدكتور إبراهيم كباش أظهرت أن 89.4% من طلاب الطب والأطباء الشبان المشاركين أرادوا الهجرة، وأن أغلبهم رأوا أن الرواتب لا تتناسب مع ساعات العمل والمخاطر، بينما شعر 4.9% فقط بتقدير كاف من الدولة. هذه النتائج أقدم من بيانات 2024، لكنها تفسر لماذا لم يكن العزوف مفاجئًا، بل نتيجة تراكمية استمرت من دون حل جذري.

 

ولذلك فإن الملف لم يعد يحتمل الاكتفاء بالتصريحات عن “الجهود” أو “المتابعة”، لأن الأرقام الرسمية نفسها تقول إن عدد الأطباء الحكوميين يتراجع بينما السكان يزيدون. هذا يعني أن العبء يتضاعف على من تبقوا، وأن العزوف عن المستشفيات الحكومية لا يتراجع بل يتقدم، وأن المنظومة العامة تخسر تدريجيًا العنصر الذي لا يمكن تعويضه بسهولة، وهو الطبيب الذي يعمل في الصف الأول داخل المستشفى العام.

 

وفي الخاتمة، تكشف بيانات 2024 أن المشكلة ليست في نقص الوعود، بل في غياب أثرها على الأرض. الحكومة تقول إنها تحسن الأوضاع، لكن المستشفيات الحكومية فقدت أطباء بينما زاد السكان. النقابة تحذر من الاستقالات والهجرة، والدراسات تتحدث عن عدم رضا واسع، والتقارير الرسمية تثبت أن العبء يزداد لا ينخفض. لذلك فإن استمرار التراجع في هذا الملف لا يعني فقط أزمة مهنية للأطباء، بل يعني تراجعًا مباشرًا في قدرة ملايين المصريين على الوصول إلى علاج حكومي آمن وكاف.