تدخل أزمة رواتب أعضاء هيئة التدريس بالجامعات المصرية مرحلة أكثر خطورة بعدما اتسعت الفجوة بين الدخل الفعلي وكلفة المعيشة، وبات الأستاذ الجامعي يواجه التزاماته المهنية والأسرية بأجر تآكلت قيمته على نحو واضح. هذا التدهور لا يجري في قطاع هامشي، بل داخل مؤسسات يفترض أن تحمل عبء التعليم العالي والبحث العلمي وإعداد الكفاءات.

ومع استمرار تجميد البدلات العلمية عند مستويات قديمة، وتراجع القوة الشرائية للجنيه بفعل موجات التضخم المتتابعة، ظهرت الأزمة داخل الحرم الجامعي بوصفها أزمة دولة في ترتيب أولوياتها المالية.

فالقانون المنظم للجامعات يعود إلى سنة 1972، والجدول الملحق به ما زال يحمل بنية راتب وبدلات صيغت في سياق اقتصادي مختلف تماما، بينما تشير البيانات الرسمية إلى أن متوسط التضخم العام في 2025 بلغ 14.1% بعد أن سجل 28.3% في 2024، وهو ما عمق أثر التآكل على أي دخل جامد أو بطيء الحركة.

 

هذه الصورة لا تقتصر على الشكوى من ضعف الرواتب، لأن أثرها امتد إلى بنية الجامعة نفسها، حيث تراجعت قدرة الأستاذ على التفرغ للبحث والتدريس، وصارت المهنة التي يفترض أنها تحتل قمة السلم الوظيفي أقرب إلى وضع مالي مضغوط.

وقد أقرت الحكومة في مارس 2024 زيادة في حافز الجودة ومكافآت التدريس والإشراف العلمي، إذ رفعت حافز الجودة للأستاذ إلى 1200 جنيه، ولأستاذ مساعد إلى 1000 جنيه، وللمدرس إلى 800 جنيه، لكن هذه الزيادات ظلت جزئية لأنها لم تمس أصل الهيكل المالي المربوط بالقانون القديم. لذلك بقيت الأزمة قائمة، وبقيت الجامعات تدفع ثمن إدارة مالية تؤجل الإصلاح التشريعي الحقيقي وتكتفي بتحريك بنود فرعية لا تعالج أصل التآكل في الأجر الأساسي ولا توقف تسرب الكفاءات من الجامعات الحكومية.

 

قانون قديم وأجر متآكل

 

تستند أزمة رواتب أعضاء هيئة التدريس إلى قاعدة تشريعية لم تتغير جذريا منذ صدور قانون تنظيم الجامعات رقم 49 لسنة 1972، وهو القانون الذي نص منذ بدايته على جدول مرتبات وبدلات مستقل لأعضاء هيئة التدريس والوظائف المعاونة. وتظهر صفحات الجدول الملحق بالقانون أن بناء الأجر صيغ وفق قيم اقتصادية تعود إلى أول أكتوبر 1972، وهو ما يفسر اتساع الفجوة بين النص القانوني والواقع المعيشي الحالي.

 

ثم إن هذا الخلل لا يقف عند تاريخ القانون فقط، لأن الجدول نفسه يكشف بوضوح محدودية الأجر الأساسي والاعتماد الواسع على البدلات والعلاوات. وقد نصت القواعد الملحقة بالجدول على بدلات محددة لكل وظيفة، وعلى ألا يزيد مجموع البدلات مهما تعددت على 100% من المرتب الأساسي. هذا البناء القديم جعل أي زيادة محدودة في الحوافز أقل تأثيرا من المطلوب في لحظة تضخم ممتدة.

 

وفي هذا السياق، قالت الدكتورة نشوة عقل أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة وعضو مجلس النواب، في 2 أبريل 2026، إن الحل يتطلب زيادة الحد الأدنى لأجور أعضاء هيئة التدريس بنسبة لا تقل عن 50%، مع ربط الترقيات بالإنتاج العلمي. هذا الموقف يعكس تحولا من مجرد المطالبة بتحسين بدلات فرعية إلى المطالبة بإعادة بناء الأجر نفسه على أساس تشريعي واضح.

 

كما أن مطالبة عقل لم تأت منفصلة عن تدهور المؤشرات الاقتصادية، لأن التضخم الذي أعلنه البنك المركزي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خلال 2024 و2025 أضعف القيمة الحقيقية لأي راتب لا يتحرك بالسرعة نفسها. لذلك تبدو المراجعة التشريعية الآن مسألة مرتبطة باستمرار الجامعة نفسها، لا بندا فئويا يمكن ترحيله إلى موازنة لاحقة.

 

استثناء الكادر الجامعي وتجميد البدلات

 

تتفاقم الأزمة بسبب الازدواجية في التعامل مع الأجور داخل الجهاز الحكومي، إذ حصلت قطاعات عدة على حزم مالية متلاحقة، بينما بقي الأستاذ الجامعي أسير جدول قديم وزيادات جزئية. صحيح أن قرار مارس 2024 رفع بعض الحوافز، لكن القرار لم يقترب من أصل الراتب ولم ينه تجميد البدلات العلمية عند قيم فقدت أثرها الفعلي أمام تضاعف أسعار الكتب والمراجع والنشر والاشتراك في الدوريات العلمية.

 

وبعد ذلك برزت المشكلة القانونية بصورة أوضح في قراءة عدد من الأكاديميين للقانون نفسه. وقد كتب الدكتور وائل كامل في ديسمبر 2024 أن قانون تنظيم الجامعات تحول عمليا إلى "كادر خاص مع وقف التنفيذ"، موضحا أن الأجر الأساسي للأستاذ الجامعي يشكل أقل من 20% من إجمالي الدخل، بينما تمثل البدلات والعلاوات والمكافآت أكثر من 80%. هذا التوصيف يفسر لماذا تبدو أي زيادة هامشية عاجزة عن إنهاء الأزمة.

 

لذلك لا يقتصر الضرر على دخل الأستاذ الفردي، لأن هذا التفتيت في بنية الأجر ينعكس مباشرة على المعاشات وعلى الاستقرار الوظيفي وعلى القدرة على التفرغ العلمي. وقد أشار وائل كامل أيضا إلى أن استمرار الرواتب الجامعية عند هذا المستوى دفع بعض الأساتذة إلى التركيز على أعمال خارج الجامعة لتغطية احتياجاتهم المعيشية، وهو ما يزاحم دورهم الأكاديمي الأصلي داخل المؤسسة الجامعية.

 

وفي المقابل، تكشف الزيادات الرسمية المعلنة في مارس 2024 حدود المعالجة الحكومية نفسها، لأن مكافأة التدريس الإضافية للأستاذ بلغت 500 جنيه، ولأستاذ مساعد 400 جنيه، وللمدرس 350 جنيها، بينما بلغت مكافأة الإشراف على الرسائل العلمية للأستاذ 375 جنيها. هذه الأرقام تؤكد أن الحكومة حركت بعض البنود، لكنها لم تقترب من إعادة تسعير العمل الأكاديمي بما يلائم عبئه الفعلي.

 

هجرة الكفاءات وتهديد الجامعة من الداخل

 

تنتقل الأزمة من حدود المعيشة إلى حدود بقاء الكفاءات داخل الجامعات الحكومية، لأن الأستاذ الذي لا يكفيه راتبه يتجه إما إلى العمل الإضافي أو إلى الجامعات الخاصة أو إلى الهجرة الأكاديمية خارج البلاد. وهنا تتحول خسارة الدخل إلى خسارة مؤسسية مباشرة، لأن الدولة تكون قد أنفقت على إعداد عضو هيئة التدريس سنوات طويلة ثم تركته يبحث عن بيئة أكثر استقرارا ماديا.

 

وفي هذا الإطار، قال الدكتور عادل النجدي عميد كلية التربية بجامعة أسيوط سابقا، في تصريحات منشورة بتاريخ 5 أبريل 2026، إن راتب الأستاذ الجامعي الذي قضى أكثر من 15 عاما في درجته العلمية لا يتجاوز في كثير من الحالات 15000 جنيه، محذرا من حالة غضب واسعة داخل الجامعات. كما أكد أن غالبية أعضاء هيئة التدريس يعتمدون على الراتب الحكومي اعتمادا كاملا، خاصة في الكليات التي لا تتيح دخلا إضافيا.

 

ومن ثم ربط النجدي بين الأزمة الحالية وبين خطر نزيف العقول، إذ طرح مقترحا لإنشاء صندوق لتحسين رواتب أعضاء هيئة التدريس يمول من نسبة من إيرادات الجامعات الأهلية ورسوم الطلاب الوافدين والصناديق الخاصة. ويعني هذا الطرح أن الأزمة بلغت حدا دفع أكاديميين بارزين إلى البحث عن مصادر تمويل موازية بعدما عجزت الموازنة العامة عن تقديم علاج جذري ومستقر.

 

وفي المحصلة، لا تبدو أزمة رواتب أعضاء هيئة التدريس ملفا ماليا منفصلا، لأن أثرها وصل إلى جودة التدريس، وإلى قدرة الباحث على تمويل عمله العلمي، وإلى موقع الجامعة المصرية في المنافسة الأكاديمية. وإذا استمرت الحكومة في التعامل مع الملف بمنطق الزيادات الجزئية داخل قانون يعود إلى 1972، فإنها لن تكون قد أجلت الحل فقط، بل ستكون قد دفعت التعليم العالي كله إلى ركود أعمق، يبدأ من راتب الأستاذ ولا ينتهي عند حدود المدرج أو المعمل أو الرسالة العلمية.