غاب الدكتور محمد مورو في لحظة يشتد فيها الفقر في المعنى ويقل فيها حضور الأصوات التي دفعت ثمن استقلالها كاملًا. الرجل الذي عرفته أجيال من القراء رئيسًا لتحرير مجلة المختار الإسلامي، وكاتبًا اشتبك مع قضايا السياسة والدين والمجتمع، لم يكن اسمًا عابرًا في المشهد العام، بل صاحب مشروع فكري ظل منحازًا للحرية والعدل وفلسطين والتغيير السلمي.
لذلك لم يبدُ خبر رحيله مجرد نعي لكاتب معروف، بل بدا كشفًا جديدًا عن حجم الخسارة التي تصيب المجال العام حين يغيب من عاشوا للفكرة لا للموقع، وللكلمة لا للمنفعة. وقد أكدت مواد تعريفية منشورة وصفحات كتّاب عرفوه عن قرب أنه وُلد في قرية دنديط بمحافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الصيدلة، لكنه اتجه مبكرًا إلى العمل الفكري والصحفي، وظل اسمه مرتبطًا بالكتابة والموقف أكثر من أي وظيفة أخرى.
يأتي هذا الرحيل بعد سنوات طويلة عاش فيها مورو بعيدًا عن صخب المشهد، لكنه لم يغادر الأسئلة الكبرى التي شغلته منذ شبابه. فقد ظل، بحسب من نعوه، ثابتًا على مواقفه، واضح الانحياز للإنسان والكرامة والثورة بمعناها الأخلاقي، ووضع فلسطين في قلب وعيه لا على هامشه. كما أن سيرته المكتوبة في مواقع تعريف الكتّاب والكتب تشير إلى رصيد واسع من المؤلفات والمقالات والدراسات، وإلى مسار امتد بين الصحافة والفكر السياسي الإسلامي وأدب الأطفال والخيال العلمي. هذا الثقل المعرفي يفسر لماذا جاء وداعه من كتّاب وسياسيين وباحثين ينتمون إلى دوائر مختلفة، لكنهم التقوا جميعًا عند نقطة واحدة، وهي أن الرجل ترك أثرًا أعمق من حضوره الإعلامي، وأن غيابه يترك فراغًا فعليًا في زمن مضطرب.
سيرة فكرية امتدت من المختار الإسلامي إلى كتابات الاشتباك مع قضايا الأمة
ثم تتضح قيمة محمد مورو حين تُقرأ سيرته المهنية بعيدًا عن صيغة النعي العاطفي وحدها. فقد شغل رئاسة تحرير مجلة المختار الإسلامي لسنوات طويلة، كما عمل مديرًا لمكتب مجلة العالم بالقاهرة، وكتب في عدد واسع من الصحف والمجلات والمواقع المصرية والعربية. وتظهر صفحته التعريفية في مجلة البيان أن حصيلته قاربت مئة كتاب في قضايا التحديات الإسلامية المعاصرة، إلى جانب خمس وخمسين مجموعة قصصية في أدب الأطفال والخيال العلمي، وأن بعض كتبه تُرجم إلى التركية والإنجليزية والفرنسية والأردية.
وبعد هذا الامتداد المهني، تبرز طبيعة المشروع الذي تبناه الرجل في كتاباته. فالمسار التعريفي المنشور عنه لا يقدمه مجرد صحفي أو مؤلف غزير، بل يربطه مباشرة بقضايا الحرية والعدل وعدم التعصب وتطوير الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. كما أن اختياره أفضل مفكر عربي لعام 2011 من منتدى الوسطية العالمي جاء، بحسب المواد المنشورة عن الجائزة، تقديرًا لإسهاماته في دعم الوسطية الإسلامية والدعوة إلى الحرية والعدل ورفض التعصب.
كما تتقاطع هذه الصورة مع شهادة الكاتب والباحث عمار علي حسن، الذي قال إن مورو تمسك بثلاثة أمور كبرى، أولها أن القضية الفلسطينية يجب ألا تغيب عن العقول والعيون، وثانيها طلب التغيير من دون عنف اعتمادًا على جماهير الشعب، وثالثها تجديد التصور السياسي الإسلامي في اتجاه العدل الاجتماعي والحرية الفردية والجماعية والتوسط وعدم التعصب. هذه الشهادة مهمة لأنها تربط مسيرته المهنية بمضمون واضح لا بمجرد صفات إنشائية. وجاءت تغريدة عمار علي حسن على الرابط الآتي: https://x.com/ammaralihassan/status/2039758229962416432.
ومن هنا تكتسب صورة مورو الفكرية تماسكًا أكبر، لأن من عرفوه لم يقدموه صاحب حضور دعوي أو صحفي فقط، بل مفكرًا اشتبك مع الواقع العربي والإسلامي ورفض تحويل الكتابة إلى وسيلة قرب أو مجاملة. ولذلك بدا طبيعيًا أن يصفه مودعوه بأنه كتب ليشهد لا ليُعجب، وأنه عاش من قلمه، ودفع ثمن استقلال رؤيته، وظل حتى سنواته الأخيرة متمسكًا بخطه الفكري رغم الإقصاء والعزلة.
شهادات الوداع أعادت الرجل إلى قلب يناير والسجن والصحافة المستقلة
ثم جاءت شهادة الدكتور طارق الزمر لتضع محمد مورو داخل لحظة سياسية حاسمة من تاريخ مصر الحديث. الزمر وصفه بالصديق العزيز وصاحب القلم الرشيق والوعي السياسي والإعلامي المتميز، وقال إنه امتلك رؤية ثاقبة سبقت كثيرًا من معاصريه. كما استعاد ذكريات ما بعد أحداث محمد محمود في نوفمبر 2011، حين شارك مورو ضمن "مجموعة العشرة" التي اجتمعت لوضع تصور عاجل لتدارك ما رآه المشاركون خطرًا يهدد الثورة.
⚫️⚫️ رحم الله تعالى الصديق العزيز الدكتور محمد مورو، صاحب القلم الرشيق، والوعي السياسي والإعلامي المتميز، والرؤية الثاقبة التي سبق بها كثيرًا من معاصريه.
— د. طارق الزمر (@drtarekelzomor) April 2, 2026
تذكّرته قدرًا منذ أيام وأنا أستعيد محطات ثورة يناير، خاصة تلك اللحظات الحرجة بعد أحداث محمد محمود في نوفمبر 2011، حين شاركته… pic.twitter.com/iNKNtcSV56
وبعد هذه الشهادة، تظهر قيمة أخرى في صورة الراحل، وهي قدرته على استشراف المآلات لا مجرد التعليق على الوقائع. طارق الزمر قال إن مورو كان يحذره مرارًا من المسار الذي كانت تسير فيه الثورة تحت تأثير أجندات القوى المتصدرة، مؤكدًا بثقة أن هذا الطريق سيقود إلى حائط مسدود ونتائج مؤلمة. لذلك لم يقدم الزمر صديقه بوصفه رفيقًا سياسيًا فقط، بل بوصفه عقلًا وازنًا وصوتًا رشيدًا في لحظة اختلطت فيها الحسابات والتقديرات.
كما أضاف الدكتور أيمن نور زاوية أكثر قربًا وإنسانية حين كتب عن محمد مورو بوصفه "رفيق الزنزانة والعمر". نور قال إن أول لقاء بينهما كان داخل زنزانة، حيث تعرف عليه كعقل يعمل في العتمة وقلب لا يتراجع أمام الخوف وروح تراهن على المعنى رغم الظروف. ثم روى أنهما عاشا بعد الخروج من المعتقل سنوات في الثمانينيات يتقاسمان السكن والحلم والكتابة مع رسام الكاريكاتير عصام حنفي.
ولذلك تتجاوز شهادة نور حدود الصداقة الشخصية إلى توثيق ملموس لمرحلة تأسست فيها بعض أهم ملامح مشروع مورو. نور قال أيضًا إنهما كتبا معًا كتاب "سليمان خاطر"، لا باعتباره مجرد توثيق، بل محاولة لقراءة لحظة فارقة في الوجدان المصري. كما أشار إلى أن مورو ظل وفيًا لمبادئه في رئاسته لتحرير مجلة المختار الإسلامي، حيث جعل المنبر مساحة للفكرة لا للصخب، وللنقاش لا للإقصاء، من دون سعي إلى الأضواء.
ثم تتأكد هذه الصورة مرة أخرى في كلمات الدكتور محمد الصغير، الذي وصف مورو بأنه أحد حالات التميز في الساحة الإسلامية المصرية، وأنه كان نسيج وحده في رشاقة العبارة وقوة التأثير واستشراف المستقبل وبناء جسور التواصل مع أصحاب المدارس المتنوعة. هذا الوصف يضيف إلى شهادة الزمر ونور بعدًا ثالثًا يتعلق بقدرته على الجمع بين الحضور الفكري والمرونة في التواصل مع المختلفين.
توفي الكاتب الكبير د. محمد مورو رئيس تحرير مجلة المختار الإسلامي، وأحد حالات التميز في الساحة الإسلامية المصرية، كان نسيج وحده في رشاقة العبارة وقوة التأثير، وله ملكة عجيبة على استشراف المستقبل، ووصف العلاج لكيفية الاستعداد، ويمتلك قدرة خاصة على مد جسور التواصل مع أصحاب المدارس… pic.twitter.com/w3G1EvJDaj
— د. محمد الصغير (@drassagheer) April 2, 2026
أثره بقي في ضمائر من عرفوه أكثر مما بقي في الضوء العام
ثم تتسع دائرة الوداع لتشمل باحثين وكتابًا وناشطين لم يتحدثوا عن محمد مورو من موقع المجاملة، بل من موقع الأثر المباشر. الباحث والمهندس أحمد مولانا قال إن مورو أثرى مجلة المختار الإسلامي وغيرها بمقالاته، وإنه كان شخصًا متواضعًا واسع الثقافة يحمل هم أمته، وإنه قال له في لقاء جمعهما عام 2012 إن المهم دائمًا هو التطرق إلى مجالات ومساحات غير مطروقة بعيدًا عن تكرار المكرر.
رحم الله د محمد مورو وغفر له وتقبله في الصالحين، فقد أثرى مجلة المختار الإسلامي وغيرها بمقالاته، كان شخصا متواضعا، حاملا هم أمته، واسع الثقافة، وساهم في نشرها.
— أحمد مولانا (@amawlana84) April 2, 2026
قابلته مرة واحدة فقط في عام ٢٠١٢، وكان سعيدا بكتيب نشرته آنذاك نظرا لموضوعه، وقال مهم دوما التطرق لمجالات ومساحات غير…
وبعد ذلك، كتب الباحث خالد عبدالباسط أن محمد مورو لم يكن مجرد كاتب أو مفكر عابر، بل رجل عاش للفكرة واشتغل عليها عمرًا وترك فيها أثرًا واضحًا. كما قال إنه عرفه صديقًا وجارًا وإنسانًا نادرًا، وإنه كان من هؤلاء الذين لا يكتفون بالمعرفة بل يحسنون تقديمها، حتى يخرج جليسه أكثر هدوءًا في الفهم وأوسع أفقًا.
كما أضاف الناشط الدكتور يحيى غنيم وصفًا يركّز على حضوره داخل المجال الإسلامي، حين كتب أنه كان عميق الفكرة الإسلامية وموقظ الوعي الإسلامي وواضح الرؤية وثاقب النظرة ومؤلف القلوب وموحد الجهود، وأنه لم يتلون في زمن تشتتت فيه الرايات. هذه الشهادة، مع ما كتبه الكاتب أحمد عبدالعزيز والدكتور محمد عباس، تعكس أن الرجل بقي محل تقدير من أجيال ودوائر مختلفة رأت فيه الثبات على المبدأ أكثر مما رأت فيه مجرد اسم صحفي معروف.
رحم الله د. محمد مورو (ابن بلدي) جاري العزيز
— my self (@myself314846881) April 2, 2026
مورو (و هذا لقبه الدارج بين أصحابه و أهله) سليل أسرة عريقه في إعلاء كلمة الله و الصدع بالحق
البقاء لله أستاذنا الجليل..
— أحمد عبد العزيز (@AAAzizMisr) April 3, 2026
رحم الله الدكتور مورو، وغفر له وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وألهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وعوّض مصر والأمة عنه خيرا..
إنا لله وإنا إليه راجعون. https://t.co/H0pnJNqoaz
رحم الله. الدكتور محمد مورو و اباه الشهيد في مذبحة ليمان طرة حيث ضحى بنفسه لحماية الشباب في السجن ، ياصديق فتحي الشقاقي. يا رئيس تحرير. اهم. مجلة اسلامية كانت في مصر: المختار. الاسلامي تحت راية من أحسبه شهيدا على فراشه:حسين عاشور.يا أخي الحبيب: أعزي نفسي ومصر والمسلمين فيك
— drmohamadabbas (@drmohamadabbas3) April 3, 2026
ومن ثم لا يبدو الحديث عن عزلة سنواته الأخيرة تفصيلًا هامشيًا في سيرته، بل نتيجة منطقية لمسار اختار فيه أن يعيش من قلمه ويتمسك باستقلال رؤيته. وقد أشار عمار علي حسن إلى أنه عاش حياة صعبة لاعتماده على الكتابة مصدرًا للرزق، وأن هذا الاستقلال عرضه للإبعاد من جهات متعددة حتى قضى سنواته الأخيرة منعزلًا في بيته إلى أن وافته المنية. هذه النهاية الصامتة تعطي سيرة مورو دلالة أكثر قسوة، لأن المجتمع الذي استهلك كتابات أمثاله طويلًا لم يوفر لهم دائمًا ما يليق بحجم عطائهم.
توفي اليوم الكاتب والباحث د. محمد مورو، رئيس تحرير مجلة المختار الإسلامي، ومدير مكتب مجلة العالم بالقاهرة.
— عمار علي حسن Ammar Ali Hassan (@ammaralihassan) April 2, 2026
التقيته في أوائل تسعينيات القرن العشرين خلال الندوة الشهرية للمركز العربي الإسلامي للدراسات التابع لحزب العمل الاشتراكي. ورغم اختلاف الرؤية إلا أنني كنت أكبر فيه ثلاثة أمور:… pic.twitter.com/G8x7iAN4ei
وفي المحصلة، فإن رحيل الدكتور محمد مورو لا يُقرأ فقط بوصفه غياب مفكر إسلامي أو رئيس تحرير مجلة بارزة، بل بوصفه خسارة لصوت ظل يربط بين فلسطين والحرية، وبين التغيير السلمي والعدل الاجتماعي، وبين الفكرة والموقف. الرجل الذي كتب كثيرًا، واشتغل طويلًا، ودفع كلفة استقلاله كاملة، ترك وراءه مؤلفات وشهادات وذكريات ومساحات من الوعي يصعب ملؤها بسرعة. ولهذا بدا وداعه واسعًا، لأن الذين عرفوه لم يودعوا صاحب قلم فقط، بل ودعوا رجلًا عاش للفكرة حتى النهاية.

