يفتحُ الهجوم البرلماني والإداري المتتابع على منظومة الدعم في مصر الباب واسعًا أمام معادلة أخطر من ترشيد الإنفاق. المعادلة صارت تميل إلى تحويل الدعم من حق اجتماعي تحكمه قواعد الاستحقاق والدخل، إلى أداة عقاب وضبط وتأديب، تُلوَّح بها الدولة والبرلمان كلما طُرح ملف العجز أو الحوكمة أو “تنقية الجداول”. في الخلفية، يعيش أكثر من 61.8 مليون مواطن على دعم السلع التموينية، بينما يستفيد نحو 70 مليونًا من دعم الخبز. وفي المقدمة، تتزاحم اقتراحات وقرارات تمس الفقراء قبل أن تمس غيرهم.
المشكلة ليست في مبدأ استبعاد غير المستحقين. هذا هدف معلن رسميًا، وتكرر في اجتماع اللجنة الوزارية لمحددات العدالة الاجتماعية في 13 مايو 2025، وفي لقاءات رئيس الوزراء ووزير التموين بشأن حوكمة الدعم. المشكلة في أن الخطاب العام تحوّل سريعًا من تدقيق الدخل والاستحقاق إلى مطاردة المواطنين بمعايير متحركة، وبعضها خرج من نقاشات نيابية وإعلامية أقرب إلى “فرز اجتماعي” منه إلى سياسة عادلة. مرة باسم سرقة الكهرباء. ومرة باسم الملكية. ومرة باسم النفقة. ومرة عبر شائعات عن السيارة أو التكييف أو الإنترنت. والنتيجة واحدة: توسيع دائرة الخوف من الحذف أكثر من توسيع ضمانات الحق في الدعم.
إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي، لخص أصل الأزمة بوضوح حين كتب أن مصر تحتاج إلى تطوير الدعم لا إلغائه، وأن القيمة الحقيقية لمخصصاته تراجعت مقابل تضخم فاتورة الدين وخدمته. أهمية هذا الرأي أنه يعيد النقاش إلى مكانه الصحيح. الأزمة ليست أن الفقراء يحصلون على كثير. الأزمة أن الدولة تضيق على الحماية الاجتماعية في وقت تتسع فيه الضغوط المعيشية. وحين تصبح كل مشكلة مالية ذريعة للتلويح بالحذف، يتحول الدعم من شبكة أمان إلى امتياز مؤقت قابل للسحب في أي لحظة.
من الاستحقاق إلى العقوبة
أوضح مثال على هذا الانزلاق ظهر في ملف سرقة الكهرباء. رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أعلن في أغسطس 2024 أن من يحرر ضده محضر سرقة كهرباء يجري تجميد الدعم المقدم له لحين فصل القضاء، معتبرًا أنه “ليس معقولًا” أن يسرق مواطن الكهرباء ويحصل في الوقت نفسه على دعم خبز وتموين وخدمات أخرى. وبعدها أكد وزير التموين شريف فاروق في يناير 2025 أن الحكومة اتخذت قرارًا بشأن سارقي الكهرباء، مع التوضيح في تصريحات أخرى أن الخدمة تُعلق ولا يُحذف الدعم نهائيًا إلا بعد حكم قضائي. الفارق القانوني هنا مهم، لكن الأثر السياسي واحد: إدخال منظومة الدعم في باب العقوبات العامة.
هذا التوسع لا يقف عند الكهرباء. في 15 مارس 2026 أوضحت وزارة العدل أن قرارها بشأن المحكوم عليهم نهائيًا في قضايا الامتناع عن سداد النفقة يجيز تعليق بعض الخدمات الحكومية عنهم تنفيذًا للأحكام القضائية، وجرى تداوله على نطاق واسع باعتباره يشمل مزايا ودعومًا حكومية. هنا ينتقل الدعم مرة أخرى من كونه أداة حماية اجتماعية إلى جزء من منظومة الردع. مها أبو بكر، المحامية بالنقض وعضو لجنة المرأة في نقابة المحامين، أيدت القرار واعتبرته خطوة لحماية مستحقي النفقة. هذا رأي قانوني مفهوم في سياق إنفاذ الأحكام، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال آخر: هل يجوز خلط وظيفة العقوبة بوظيفة الدعم الاجتماعي من دون فتح باب أوسع للتغول على الحقوق الاقتصادية الأساسية؟
الأخطر أن البرلمان والإدارة لا يتحركان داخل حدود واضحة ومستقرة. وزير التموين نفسه نفى في 7 سبتمبر 2024 وجود معايير جديدة للعدالة الاجتماعية تقضي بحذف المواطنين بسبب استخدام التكييف أو الإنترنت، كما نفى المتحدث باسم مجلس الوزراء محمد الحمصاني في 29 ديسمبر 2025 أن يكون عدد أفراد الأسرة أو امتلاكها سيارة معيارًا تلقائيًا للاستبعاد، مؤكدًا أن الأساس هو الدخل والاستحقاق المالي. هذه النفيّات لا تبعث على الطمأنينة بقدر ما تكشف حجم الفوضى. لأن المواطن يسمع كل يوم معيارًا جديدًا، ثم يسمع نفيًا لاحقًا، بينما يبقى التهديد قائمًا والضمان غائبًا.
فوضى المعايير وسلطة الاشتباه
حين تصل المناقشات إلى مستوى الحديث عن أصحاب السيارات أو العقارات أو فواتير مرتفعة أو حتى “أصحاب الآيفون”، فإننا لا نكون أمام سياسة اجتماعية، بل أمام مزاج عام يعتبر أي مؤشر استهلاك أو ملكية قرينة كافية على الغنى. المشكلة أن الدولة نفسها لم تقر رسميًا بمعيار “الآيفون”، ولم تعلن قاعدة قانونية جامعة تنص على الاستبعاد لمجرد امتلاك سيارة أو زيادة عدد أفراد الأسرة. بالعكس، البيانات الرسمية الأخيرة نفت ذلك. لكن تداول هذه الأفكار نيابيًا وإعلاميًا يكشف طريقة التفكير السائدة: الاشتباه أولًا، والتظلم لاحقًا.
شريف فاروق قال في يناير 2025 إن عام 2025 سيشهد إضافة جميع مستحقي الدعم وخروج غير المستحقين، كما تحدث عن تشوهات تتعلق بالدخول والخروج من المنظومة. هذا كلام صحيح من حيث المبدأ. لكن من يحدد “غير المستحق”؟ وبأي قاعدة؟ وبأي حق اعتراض؟ هنا تصبح المشكلة مؤسسية لا خطابية. لأن الدولة تسير نحو “الكارت الموحد” والرقمنة وربط قواعد البيانات، بينما يبقى الخطر قائمًا في أن تتحول سهولة الربط الرقمي إلى سهولة في الاستبعاد أيضًا، خصوصًا في بلد تظل فيه أخطاء البيانات والتسجيل والتصنيف حقيقة يومية وليست استثناء.
إلهامي الميرغني حذر في دراسته عن واقع ومستقبل الحماية الاجتماعية من أن تآكل قيمة الدعم النقدي وارتفاع الأسعار يدفعان مزيدًا من الأسر إلى الهشاشة الغذائية والاجتماعية. هذا التحذير يكتسب وزنًا أكبر الآن. البنك المركزي أعلن في 10 مارس 2026 أن التضخم العام للحضر بلغ 13.4% في فبراير، مع زيادة شهرية 2.8%. في هذا المناخ، يصبح أي حذف خاطئ أو توسع متعجل في الاستبعاد ضربة مباشرة لميزانية الأسرة الفقيرة، لا مجرد “تنقية قاعدة بيانات”.
الدعم ليس منحة من البرلمان
الخلاصة أن البرلمان والحكومة يتحدثان كثيرًا عن العدالة الاجتماعية، لكن المسار الفعلي يميل إلى شيء آخر: تضييق متدرج على الدعم تحت عناوين أخلاقية وقانونية وإدارية متفرقة. مرة باسم محاربة سرقة الكهرباء. ومرة باسم تنفيذ أحكام النفقة. ومرة عبر تسريب معايير ثم نفيها. ومرة عبر التلويح بالتحول إلى الدعم النقدي من دون بناء ثقة كافية في قواعد الاستهداف. وبين هذا كله يقف ملايين المصريين أمام منظومة لا يعرفون متى تحميهم ومتى تنقلب عليهم.
الدعم ليس مكافأة يمنحها نائب لمن يرضى عنه، ولا سيفًا ترفعه السلطة كلما أرادت الانضباط بالعقاب الجماعي. الدعم حق اجتماعي يفترض أن تحكمه قاعدة واحدة واضحة: الحاجة الفعلية والدخل الحقيقي. وما دون ذلك ليس إصلاحًا. إنه فقط توسيع لسلطة الاشتباه على حساب الفقراء، في بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من التجارب فوق موائد الناس.

