تفتح شركات المحمول في مصر دفاتر التكلفة من جديد بعد الزيادة الأخيرة في أسعار الوقود، لكن الأزمة لا تقف عند حدود المراجعات المالية داخل الشركات. الأزمة الحقيقية تبدأ من قرار حكومي جديد يضغط على قطاع يعتمد عليه أكثر من 123 مليون خط محمول، ثم يترك الشركات والمستهلكين معًا في مواجهة فاتورة تشغيل أعلى وسوق أكثر توترًا.
مراجعات داخل الشركات.. وأصل الأزمة قرار حكومي
بدأت شركات الاتصالات دراسة أثر زيادة أسعار الوقود على تكلفة تشغيل محطات المحمول والأبراج، بعدما رفعت وزارة البترول أسعار المحروقات بنحو 2 جنيه للتر في موجة سابقة مماثلة ربطت السوق بينها وبين زيادات لاحقة في الخدمات، فيما تؤكد مصادر القطاع أن تحديد الزيادة الفعلية في التكلفة يحتاج إلى دراسات جارية داخل الشركات.
هذه المراجعات لا تبدو مجرد إجراء محاسبي عابر. تشغيل الشبكات في مصر يعتمد على الكهرباء والسولار معًا، خصوصًا في الأبراج والمحطات المنتشرة على مستوى الجمهورية، بينما يصل عدد أبراج الاتصالات العاملة إلى نحو 37 ألف برج، ما يعني أن أي تحريك في أسعار الطاقة يضرب مباشرة تكلفة التشغيل والصيانة والاستمرار في الخدمة.
المشكلة هنا أن الحكومة لا ترفع الوقود في فراغ. الزيادة تأتي فوق ضغوط قائمة أصلًا من التضخم وتقلبات سعر الصرف وارتفاع تكلفة استيراد المعدات والتكنولوجيا اللازمة لتطوير الشبكات، وهي عناصر تجعل الشركات بين خيارين كلاهما سيئ: إبطاء الاستثمار أو تحميل المشترك النهائي جزءًا جديدًا من الأزمة.
المهندس محمد طلعت، رئيس شعبة الاتصالات والمحمول باتحاد الغرف التجارية، قال في تصريحات منشورة إن محطات شركات الاتصالات تتأثر بأي زيادة في أسعار المحروقات لأنها تعمل بالمواد البترولية، كما أشار إلى أن أي تحريك للأسعار لا يصبح نافذًا إلا بعد مراجعة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، مع عدم صدور قرار رسمي جديد حتى الآن.
من الاستثمار إلى التسعير.. الحكومة تضغط والهيئة تراجع
داخل الشركات، لا تتوقف المراجعات عند بند السولار وحده. التقديرات تمتد إلى موازنات التشغيل وخطط التوسع وتحديث الشبكات، لأن ارتفاع التكلفة لا يخص يومًا بيومه، بل ينعكس على قرارات الاستثمار وجودة الخدمة وقدرة الشركات على تمويل تطوير البنية التحتية في سوق يحتاج إنفاقًا مستمرًا لا يحتمل الارتباك.
ومن هنا يصبح الحديث عن اجتماعات مرتقبة بين الإدارات المالية والتسويقية ومجالس الإدارات تطورًا منطقيًا، لا رفاهية إدارية. فالشركات تدرس سيناريوهات تتعلق بامتصاص جزء من الزيادة أو إعادة تسعير بعض الخدمات أو تأجيل بعض المصروفات الاستثمارية، قبل الوصول إلى صيغة يمكن طرحها على الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
اللافت أن هذه ليست المرة الأولى التي يُدفع فيها القطاع إلى هذا المأزق. فبحسب ما نشرته “المصري اليوم” و”البورصة”، فإن آخر زيادة أقرها الجهاز جاءت بنهاية العام الماضي، وتراوحت على بعض الخدمات بين 17 و30%، بعدما ارتفعت تكاليف التشغيل وصعد الدولار أمام الجنيه.
الخبير التكنولوجي محمد الحارثي أوضح أن ارتفاع أسعار البنزين والسولار يرفع تكلفة تشغيل خدمات المحمول، لأن محطات المحمول مزودة بمولدات تعمل بالسولار لضمان استمرارية الخدمة عند انقطاع التيار الكهربائي. وهذا التفسير ينسف أي محاولة رسمية لتقديم أزمة التسعير باعتبارها مجرد قرار تجاري من الشركات، لأن أصل الكلفة هنا ناتج من سياسات تسعير الطاقة نفسها.
وتزداد المفارقة حدة حين تواصل الحكومة الحديث عن التحول الرقمي والتوسع في الخدمات الإلكترونية، ثم ترفع مدخلات الخدمة الأساسية على الشركات والمستخدمين معًا. فلا تعليم رقمي ولا عمل عن بعد ولا خدمات حكومية إلكترونية يمكن أن تتوسع فعلًا بينما كلفة الاتصال نفسها تصعد كل عدة أشهر تحت عناوين “الإصلاح” و”ترشيد الدعم”.
عبء على المستهلك.. وسوق مهدد بانكماش الاستخدام
أي زيادة جديدة في أسعار خدمات المحمول والإنترنت لن تكون رقمًا معزولًا على ورق. هي عبء إضافي على المستهلك المصري الذي يواجه أصلًا زيادات ممتدة في الطاقة والنقل والسلع الأساسية، ما يعني أن خدمة الاتصال، التي تحولت إلى ضرورة يومية، تدخل هي الأخرى دائرة الاستنزاف الشهري للأسر.
هذا الضغط قد يدفع شريحة من المستخدمين إلى خفض استهلاك الإنترنت أو النزول إلى باقات أقل سعرًا، وهو ما يضغط بدوره على حجم الاستخدام في السوق ويضع الشركات أمام معادلة شائكة بين الحفاظ على قاعدة العملاء وبين تمرير جزء من الزيادة في التكلفة. ومع معدل انتشار للهاتف المحمول تجاوز 110% بنهاية 2025، فإن أثر أي زيادة لن يبقى محدودًا داخل القطاع، بل سيمتد إلى ملايين المستخدمين في العمل والتعليم والخدمات الرقمية.
الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، حذر في تصريحات منشورة من أن زيادات الوقود ترجح إطلاق موجة تضخمية جديدة، لأن أثر السولار ينتقل سريعًا إلى تكلفة النقل والإنتاج ثم إلى أسعار السلع والخدمات للمستهلك النهائي. وإذا كانت الاتصالات خدمة أساسية في الحياة اليومية، فإن ضمها إلى سلسلة الغلاء يعني ببساطة توسيع دائرة الضغط على المواطنين لا أكثر.
في سوق شديد التنافسية، ستجد الشركات نفسها مضطرة للدفاع عن هوامشها، بينما سيجد المستهلك نفسه مضطرًا لتقليص الاستخدام أو دفع المزيد. أما الحكومة، فستبقى الطرف الوحيد الذي يبدأ الحلقة بقرار رفع الوقود ثم يراقب بقية الأطراف وهي تتصارع على توزيع الخسائر.

