كشف السجال الذي أثاره تصريح الإعلامي القطري عبد الرحمن بن سعود عن مشكلة أوسع من مجرد خلاف على “الفضل” و”المنة”. المسألة هنا مالية وسياسية وإدارية في وقت واحد.

 

هناك رقم متداول يقول إن الخطوط الجوية القطرية تدفع 200 مليون دولار شهريًا مقابل رسوم أرضية وعبور أجواء ومناولة وسفر أطقم. لكن الحكومة المصرية لم تقدم حتى الآن بيانًا منشورًا يشرح للرأي العام حجم الإيراد الحقيقي، وبنوده، ومساره داخل الموازنة، وما إذا كان المواطن يرى منه شيئًا فعلًا.
 

 

رقم متداول.. وحكومة لا تشرح

 

المشكلة الأولى ليست في أن مصر تحصل على رسوم. هذا طبيعي وسيادي ومشروع. مصر تفرض رسوم عبور وملاحة جوية وخدمات مرتبطة بالطيران، وموقعها الجغرافي يمنحها ميزة كبيرة على خطوط الطيران بين أوروبا والخليج وأفريقيا. كما تنشر جهات دولية متخصصة أصلًا نشرات دورية خاصة برسوم الملاحة الجوية المحصلة لصالح مصر، ما يؤكد وجود نظام رسمي للتحصيل وليس قصة دعائية عابرة. لكن الفجوة تبدأ عند الرقم نفسه. 200 مليون دولار شهريًا رقم ضخم جدًا، ولا يجوز التعامل معه كحقيقة مكتملة من دون كشف رسمي أو إفصاح واضح يحدد ما الذي يشمله بالضبط.

 

في هذا السياق، يشير ويلي والش، المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي، إلى أن الطيران ليس قطاعًا هامشيًا في مصر، بل يدعم قرابة 1.4 مليون وظيفة وترتبط به أكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي بصورة مباشرة وغير مباشرة. هذه المعلومة مهمة لأنها تقول إن سماء مصر ليست مجرد ممر جوي، بل أصل اقتصادي كبير. لكن تحويل هذا الأصل إلى منفعة عامة يحتاج أكثر من مجرد تحصيل الرسوم. يحتاج شفافية. ويحتاج حسابًا واضحًا يشرح كيف تتحول الميزة الجغرافية إلى خدمة عامة أو تخفيف عبء على المواطن.

 

إيراد محتمل.. ومواطن لا يرى أثرًا

 

هنا تظهر العقدة السياسية الحقيقية. حتى إذا افترضنا أن الرقم المتداول قريب من الواقع، أو حتى أقل منه بكثير، فإن السؤال الذي يخص الناس ليس: هل تدفع القطرية أم لا؟ السؤال هو: أين ينعكس ذلك؟ من المشروع أن تدخل هذه الأموال الخزانة. لكن غير المشروع سياسيًا أن تبقى الخزانة صندوقًا مغلقًا لا يعرف المواطن كيف توزَّع موارده في وقت يتحمل فيه زيادات متتالية في الوقود والكهرباء والنقل والسلع الأساسية. النقد هنا ليس إنشائيًا. بل مرتبط مباشرة بواقع الموازنة نفسها.

 

الأرقام المتاحة عن الموازنة تقول إن الدولة تستهدف في مشروع موازنة 2025 / 2026 إيرادات عامة بنحو 3.1 تريليون جنيه، وإنفاقًا بنحو 4.6 تريليون جنيه. كما تشير تحليلات مستقلة للموازنة إلى أن خدمة الدين تلتهم الجزء الأكبر من الإنفاق، وأن الاقتراض ما زال الآلية الرئيسية لسد الفجوة بين الإيرادات والمصروفات. المعنى واضح. حتى لو دخلت أموال إضافية من الطيران أو العبور أو الخدمات، فهي لا تصل بالضرورة إلى الخبز أو الأجور أو التعليم أو الصحة. بل قد تذوب داخل كتلة ضخمة من الالتزامات. وهذا بالضبط ما يصنع الغضب العام: الإيراد موجود نظريًا، لكن الأثر الاجتماعي غائب عمليًا.

 

وفي قراءة قريبة من هذا التناقض، نشر محمد أبو باشا، كبير محللي الاقتصاد الكلي في إحدى المؤسسات المالية الإقليمية المعروفة، أكثر من متابعة تربط بين ارتفاع أسعار الوقود وبين بقاء السياسة النقدية مشددة. وهذه الإشارة مهمة لأنها تؤكد أن المواطن لا يدفع فقط فاتورة السعر المباشر. بل يدفع أثرًا مركبًا يمتد إلى التضخم والفائدة والنشاط الاقتصادي كله. وهذا يجعل أي حديث عن “إيرادات سيادية” بلا انعكاس اجتماعي حديثًا ناقصًا ومضللًا.

 

أزمة شفافية لا أزمة سماء فقط

 

الفقرة الأخطر في هذا الملف ليست ما يقوله المذيع القطري، بل ما لا تقوله الحكومة المصرية. لا توجد حتى الآن بيانات سهلة ومباشرة تشرح للرأي العام: كم تبلغ إيرادات عبور الأجواء؟ كم منها يخص شركة بعينها؟ ما نصيب الرسوم الأرضية؟ وما نصيب الخدمات؟ وهل هذه الأموال تذهب مباشرة إلى الخزانة العامة أم إلى جهات وشركات وهيئات متعددة داخل قطاع الطيران؟ غياب الإجابة هو ما يحول أي رقم متداول إلى مادة اشتعال سياسي. وهو ما يفتح الباب أمام المبالغة من طرف، والإنكار الفضفاض من طرف آخر.

 

هذا الغياب لا يمكن فصله عن هشاشة الوضع المالي عمومًا. مونيكا مالك، كبيرة الاقتصاديين في أحد المصارف الإقليمية، كانت قد حذرت في تصريحات سابقة من أن تأخر المراجعات مع صندوق النقد وخفض التصنيف يثيران مزيدًا من القلق بشأن الفجوة التمويلية الخارجية الكبيرة في مصر. قد يكون هذا التحذير أقدم من السجال الحالي، لكنه ما زال مفيدًا لفهم الصورة: أي دولة تعاني ضغط تمويل خارجي وديونًا مرتفعة ستتعامل مع كل دولار يدخل باعتباره أداة لإطفاء حرائق عاجلة، لا لتحسين معيشة الناس تلقائيًا. هذا لا يبرر الصمت. لكنه يفسر لماذا يشعر المواطن بأن الموارد تأتي ولا تغيّر شيئًا في حياته.

 

ثم إن السياق الإقليمي نفسه لا يدعم الخطاب الاحتفالي. الخطوط الجوية القطرية أعلنت بالفعل جداول تشغيل محدودة خلال الأيام الأخيرة بسبب إغلاقات ومسارات جوية طارئة مرتبطة بالتوتر الإقليمي. وهذا يعني أن أي رقم شهري يجري تداوله في هذه الظروف قد يكون ظرفيًا أو استثنائيًا أو مبالغًا في تعميمه على سنة كاملة. لهذا يصبح التوثيق أكثر إلحاحًا، لا أقل. ويصبح من العبث أن تستغل الحكومة الرقم سياسيًا إذا لم تنشره، ومن السهل أيضًا أن تستغله الدعاية المقابلة إذا ظل بلا تفصيل رسمي دقيق.

 

الخلاصة أن القضية ليست في “كرم” قطر ولا في “منة” مصر. القضية أن الدولة المصرية تملك أصلًا استراتيجيًا اسمه المجال الجوي والموقع. هذا الأصل يدر إيرادات بلا شك. لكن السلطة لا تقدم حسابًا شفافًا يربط بين الإيراد وبين أولويات الناس. ولهذا يبقى المواطن أمام معادلة مختلة: رسوم تعبر فوق رأسه، وأرقام تتداول باسمه، وموازنة تتحدث عن نمو الإيرادات، بينما كلفة المعيشة ترتفع وخدمة الدين تلتهم المجال المالي. السؤال الحقيقي ليس كم دفعت الدوحة. السؤال الحقيقي: لماذا لا يعرف المصريون على وجه الدقة كم دخل، وإلى أين ذهب، ولماذا لا يظهر أثره في حياتهم اليومية؟