تصريح تجاري لا إنساني – الحرب كأداة لرفع المؤشرات
ترامب لم يتحدث عن اقتراب نهاية الحرب من موقع مسؤول يريد إنقاذ الأرواح، بل من موقع مضارب يتلاعب بتوقعات الأسواق ويقايض الدم بالأسهم والنفط والعملات. حين خرج ليقول إن الحرب مع إيران «ستُحل قريباً جداً» وإنها «مكتملة تقريباً»، قفزت أسواق الأسهم الآسيوية وهدأت أسعار النفط فوراً، كأن جملة عابرة من رئيس متقلب أهم من الصواريخ التي لا تزال تتساقط. هذه التصريحات لم تكن سوى رسالة طمأنة مفتعلة للمستثمرين، لا تعكس الواقع على الأرض الذي ظل مشحوناً بالتهديدات والهجمات والتحذيرات من توسع الصراع.
اللافت أن نفس الخطاب "التهدوي" تكرر سابقاً عند إعلانه عن وقف إطلاق نار أو هدنة بين إيران وإسرائيل، فهرعت الأسواق للارتفاع وانخفضت أسعار النفط، رغم هشاشة الاتفاق وسرعة انهياره على وقع الصواريخ والردود العسكرية. بهذا المعنى، صار ترامب يستخدم كلمة « ceasefire » وكأنه إعلان ترويجي في بورصة، لا التزام سياسي أو أخلاقي بوقف حرب تهدد المنطقة والعالم. الخلفية هنا واضحة: إدارة تعتبر السوق هو الناخب الحقيقي، والبورصة هي صندوق الاقتراع الأهم، وكل ما عدا ذلك يمكن خداعه وتأجيله وحتى التضحية به.
الأسواق صدّقت الكذبة… ثم استفاقت على استمرار القصف
رد فعل الأسواق كان ساذجاً إلى حد الفضيحة؛ بمجرد أن لمح ترامب إلى قرب نهاية الحرب، ارتفعت المؤشرات، وتحسن المزاج الاستثماري، وهبط النفط، وكأن الكاميرات لم تعد ترصد الدخان المتصاعد من الموانئ والمواقع المستهدفة. مؤشر MSCI لآسيا ارتفع بوضوح، وقادت أسهم التكنولوجيا موجة صعود، فقط لأن الرئيس قال إن الأمور ستنتهي "قريباً جداً" دون أي خطة أو اتفاق واضح أو حتى وقف فعلي لإطلاق النار. حتى في مرات سابقة، حين تم الإعلان عن "هدنة كاملة" بين إيران وإسرائيل، قفزت الأسهم العالمية وتراجعت أسعار النفط بحدة، رغم تشكيك المتابعين وتحذيراتهم من هشاشة هذا الهدوء المزعوم.
لكن الواقع يسير في اتجاه معاكس: التصعيد لم يتوقف، التهديدات الصاروخية مستمرة، والحديث عن إغلاق أو تهديد مضيق هرمز لم يغادر المشهد، بل يتصاعد مع كل يوم تطول فيه الحرب. حتى بعض الخبراء الماليين حذروا صراحة من أن ثقة الأسواق في كلمات ترامب «ثقة في غير محلها»، وأن ما يحدث مجرد ارتداد نفسي بعد موجة ذعر، لا تحول حقيقي في مسار الحرب. وهكذا، بعدما ابتلعت الأسواق الطُعم واحتفلت بسيناريو "نهاية قريبة"، استعادت مخاوفها سريعاً مع استمرار القصف، فعادت التقلبات، وبدأت الأسعار تتجه مجدداً إلى الارتفاع مع إدراك أن الأزمة أطول وأعمق مما باعه ترامب في مؤتمره الصحفي.
كذب ممنهج… والعالم يدفع ثمن الوهم مرتين
المشكلة ليست في كذبة واحدة، بل في نمط متكرر من الخداع السياسي؛ من ادعاء إنهاء حروب عديدة إلى تصوير كل ضربة على أنها انتصار نهائي، بينما تستمر الجبهات في الاشتعال بلا أفق. سياسيون ومراقبون اتهموا ترامب صراحة بالكذب حول هوية بعض الضربات ومسؤولية إيران عنها، تماماً كما كذب سابقاً حين وعد بإبقاء أمريكا "خارج الحروب" بينما يقودها الآن إلى مواجهة مفتوحة مع طهران. هذا الخداع لا يضلل الرأي العام الأمريكي فقط، بل يحرك أيضاً قرارات استثمارية عالمية تبنى على أوهام "نهاية قريبة" لا وجود لها إلا في خطابات انتخابية وابتزازات سياسية.
العالم اليوم يدفع ثمن هذا الوهم مرتين: مرة في الميدان عبر استمرار الدم والتدمير، ومرة في الاقتصاد عبر قفزات مفاجئة في الأسعار وتقلبات الأسواق كلما قرر ترامب أن يطلق تصريحاً متفائلاً أو تهديداً جديداً. أسعار النفط تتأرجح بين الهبوط الحاد عند كل وعد بتهدئة، ثم تعود للارتفاع مع كل مؤشر على أن الحرب أبعد ما تكون عن النهاية، فيما يجد المواطن العادي نفسه رهينة مزاج رئيس يتعامل مع الحرب كصفقة. خطورة الموقف أن هذا "الضباب المتعمد" في الرسائل السياسية يُربك الجميع: مستثمرين، حكومات، شعوباً، بينما المستفيد الحقيقي هم المضاربون الذين يجيدون استغلال هذه الموجات الاصطناعية من التفاؤل الكاذب والذعر المتجدد.
وأخيرا عندما تصبح الحقيقة هي الضحية الأولى في حرب الأسعار
ما حدث مع تصريحات ترامب عن قرب نهاية الحرب ليس مجرد سوء تقدير، بل نموذج فاضح لكيفية توظيف الكلمة السياسية لخداع الأسواق وتسكين الرأي العام مؤقتاً، دون أي تغيير حقيقي على الأرض. هذا النمط يجعل من الرئيس تاجر وعود لا قائد مسؤول، ويحوّل العالم إلى ساحة تجارب لسياسات قصيرة النظر، تُسعِد شاشات البورصة لساعات، ثم تعيد إشعال مخاوف المستثمرين وجيوب الفقراء مع كل موجة ارتفاع جديدة في الأسعار.
في مواجهة هذا الكذب الممنهج، المطلوب ليس قراءة تصريحات ترامب كحقائق، بل كأداة ضغط ومساومة ينبغي التشكيك فيها، ومقارنتها بالواقع الميداني لا بمؤشرات التداول اللحظية. وإلى أن يتعلم العالم هذا الدرس، ستظل الجبهة مشتعلة، والأسواق مضطربة، والأسعار في مسار صعودي كلما قرر البيت الأبيض أن يبيع للعالم وهماً جديداً عن "نهاية قريبة جداً" لحرب لا تزال في بدايتها.

