أثار قرار حكومة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي رفع أسعار الوقود، خاصة السولار، مخاوف واسعة داخل قطاع التشييد والبناء، بعدما حذر مقاولون وخبراء من أن الزيادة ستؤدي إلى ارتفاع مباشر في تكاليف التنفيذ ومواد البناء، ما قد ينعكس تدريجيًا على أسعار العقارات خلال الفترة المقبلة. القرار يأتي في وقت يواجه فيه القطاع بالفعل ضغوطًا مالية كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الحديد والأسمنت وتكاليف النقل، وهو ما يضع شركات المقاولات أمام موجة جديدة من التحديات التشغيلية والمالية.
السولار عصب مواقع البناء.. وزيادته تضرب تكلفة التنفيذ
انعكس قرار تحريك أسعار الوقود بسرعة على تقديرات التكلفة داخل قطاع التشييد، حيث يعتمد نشاط المقاولات بشكل شبه كامل على السولار في تشغيل المعدات الثقيلة ونقل مواد البناء.
شمس الدين يوسف، رئيس مجلس إدارة شركة الشمس للمقاولات وعضو الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، أكد أن الزيادة الجديدة في أسعار الوقود ستنعكس مباشرة على تكاليف التشييد. وأوضح أن السولار يمثل عنصرًا أساسيًا في تشغيل المعدات والآلات المستخدمة في الحفر والخرسانة ونقل المواد الخام.
وقال إن معظم مراحل تنفيذ المشروعات تعتمد على معدات تعمل بالسولار، بدءًا من نقل الحديد والأسمنت والرمل والسن إلى مواقع البناء، وصولًا إلى تشغيل الأوناش واللوادر والكسارات ومحطات الخرسانة الجاهزة.
وأشار إلى أن أي زيادة في أسعار الوقود تؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع تكلفة النقل وتشغيل المعدات، وهو ما يرفع التكلفة الإجمالية للمتر المنفذ داخل المشروعات.
وتشير تقديرات داخل قطاع المقاولات إلى أن تكاليف النقل والطاقة تمثل ما بين 20% و30% من تكلفة التنفيذ الإجمالية في كثير من المشروعات، وهو ما يعني أن أي تحرك في أسعار الوقود ينعكس بسرعة على حسابات شركات المقاولات.
ارتفاع متوقع في تكلفة الخرسانة ومواد البناء
يتوقع خبراء القطاع أن تمتد آثار زيادة الوقود إلى أسعار مواد البناء الرئيسية، خاصة الخرسانة الجاهزة والأسمنت، التي تعتمد عمليات إنتاجها ونقلها بشكل كبير على المعدات العاملة بالسولار.
شمس الدين يوسف أوضح أن تكلفة الخرسانة ومواد البناء المرتبطة بها قد ترتفع بنسب تتراوح بين 10% و12% خلال الفترة المقبلة نتيجة زيادة تكاليف النقل والشحن.
وأشار إلى أن إنتاج الأسمنت نفسه يعتمد على تشغيل معدات ضخمة واستهلاك كميات كبيرة من الطاقة، ما يعني أن ارتفاع الوقود سيؤثر على تكلفة الإنتاج بالإضافة إلى تكلفة النقل.
وأضاف أن الضغوط لا تقتصر على السوق المحلي فقط، بل تمتد أيضًا إلى تكاليف الشحن والتأمين العالمية في ظل التوترات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، وهو ما قد يزيد من تكلفة استيراد بعض الخامات والمكونات المستخدمة في قطاع البناء.
ويأتي ذلك في وقت ارتفعت فيه أسعار مواد البناء بالفعل خلال السنوات الماضية، حيث شهدت أسعار الحديد والأسمنت زيادات كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام عالميًا.
ويرى خبراء أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى زيادة تكلفة المتر المبني في عدد من المشروعات العقارية الجديدة، خاصة المشروعات التي لا تزال في مراحل التنفيذ.
شركات المقاولات تحت ضغط العقود القديمة
الضغوط الأكبر قد تقع على شركات المقاولات التي تعاقدت على تنفيذ مشروعات قبل موجة الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود والطاقة.
محمد لقمة، عضو الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، أكد أن شركات المقاولات تواجه بالفعل تحديات كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف التنفيذ في ظل عقود قديمة لم تكن تتضمن بنودًا واضحة للتعويض عن تغير الأسعار.
وأوضح أن قدرة الشركات على تحمل هذه الزيادات تختلف من مشروع لآخر، وتعتمد بشكل أساسي على بنود التعاقد بين المقاول والمطور العقاري.
وقال إن بعض الشركات قد تجد نفسها مضطرة لتحمل جزء من الزيادة في التكلفة إذا لم تتضمن العقود بنودًا تسمح بتعديل الأسعار أو تعويض المقاول عن تغير التكاليف.
وأضاف أن هذا الوضع قد يدفع بعض شركات المقاولات إلى تسييل أصول أو بيع بعض ممتلكاتها للاستمرار في تنفيذ المشروعات والوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
ويرى أن المقاول يتحمل غالبًا الجزء الأكبر من الضغوط خلال مراحل التنفيذ، بينما يحتفظ المطور العقاري في النهاية بأصل عقاري تزداد قيمته بمرور الوقت.
ورغم هذه التحديات، يشير لقمة إلى أن زيادة تكلفة التنفيذ لا تعني بالضرورة دخول السوق العقاري في حالة ركود فوري، لكنها قد تؤدي تدريجيًا إلى ارتفاع أسعار الوحدات العقارية لتعويض الزيادة في التكاليف.
وشدد على ضرورة تطبيق قوانين التعويضات الخاصة بالمقاولين بشكل أكثر مرونة وعدالة، حتى تتمكن الشركات من الاستمرار في تنفيذ المشروعات دون التعرض لخسائر مالية كبيرة.
في ظل هذه التطورات، يواجه قطاع التشييد والبناء مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية، حيث تتقاطع زيادة أسعار الوقود مع ارتفاع تكاليف المواد الخام وتذبذب الأسواق العالمية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة تسعير العديد من المشروعات العقارية خلال الفترة المقبلة، وهو ما قد ينعكس في النهاية على أسعار الوحدات السكنية التي يتحملها المستهلك النهائي.

