كشفت موجة الغلاء الجديدة في أسعار البصل والبطاطس خلال رمضان عن خلل واضح في أولويات الحكومة، التي تواصل التباهي بطفرة الصادرات الزراعية بينما يدفع المستهلك المصري فاتورة هذا التوجه في السوق المحلية. فبدل أن تضبط الدولة إيقاع التصدير بما يضمن توافر السلع الأساسية بأسعار محتملة، تُترك الأسواق لمعادلة قاسية: كلما زاد الطلب الخارجي وارتفعت شهية المصدرين، تقلص المعروض في الداخل وارتفع السعر على الأسر.
والحكومة التي لا تتوقف عن الحديث عن “الحرب” و”الظروف الإقليمية” تتجاهل السبب الأقرب والأوضح: تفضيل تحصيل العملة الأجنبية حتى لو جاء ذلك على حساب طعام الفقراء في الشهر الأكثر استهلاكًا للغذاء. وفي الوقت نفسه، كانت وزارة الزراعة ووزارة الاستثمار قد عقدتا اجتماعًا قبل أيام لتوسيع وتنظيم تصدير البطاطس مع التأكيد على زيادة الحصة التصديرية ودعم الاقتصاد القومي بالعملة الأجنبية.
التصدير أولًا.. والسوق المحلية تدفع الثمن
التجار في سوق العبور، بحسب ما يتردد في السوق، لا يتحدثون عن أزمة إنتاج بقدر ما يتحدثون عن سحب كميات كبيرة من البطاطس والبصل إلى التصدير، خصوصًا مع زيادة الطلب من أسواق الخليج. هذه الرواية لا تبدو منفصلة عن توجه حكومي معلن. فالاجتماع الرسمي الأخير الخاص بتصدير البطاطس ركز على “الرؤية المستقبلية لوضع مصر على رأس الدول المصدرة”، وعلى القضاء على المعوقات التي تمنع زيادة الحصة التصديرية، مع ربط ذلك صراحة بجلب العملة الأجنبية. المعنى هنا مباشر: الحكومة تنظر إلى المحصول بوصفه مورد دولار قبل أن تنظر إليه كسلعة غذائية محلية أساسية.
الأرقام نفسها تفسر جانبًا من الضغط. مصر رفعت صادراتها الزراعية إلى نحو 6.8 مليون طن في 2025، وكانت البطاطس والبصل من بين أبرز المحاصيل المصدرة. كما قال وزير الزراعة إن صادرات البطاطس تجاوزت 1 مليون طن في 2025، ثم تخطت 1.3 مليون طن لاحقًا، في وقت استمرت فيه الدولة في تسويق هذا التوسع باعتباره نجاحًا اقتصاديًا خالصًا. لكن ما تسميه الحكومة نجاحًا يتحول سريعًا إلى أزمة معيشية حين لا يصاحبه ضبط لحجم المعروض الداخلي، خاصة في مواسم ذروة الاستهلاك مثل رمضان.
حاتم النجيب، نائب رئيس شعبة الخضروات والفاكهة بغرفة القاهرة التجارية، كان قد قال قبل رمضان في 9 فبراير 2026 إن السوق لا يواجه أزمة في توافر البطاطس أو البصل، وإن المعروض كافٍ. هذا التصريح يبدو اليوم متعجلًا أو منفصلًا عن الواقع الفعلي الذي تشكل لاحقًا. فحتى إذا كان المعروض كافيًا نظريًا، فإن دفع كميات معتبرة نحو التصدير مع زيادة الطلب المحلي في رمضان يعني تلقائيًا ضغوطًا سعرية على المستهلك. المشكلة هنا ليست فقط في كمية الإنتاج، بل في إدارة توزيعه وأولوية استخدامه.
أرباح المصدرين تتقدم على احتياجات المستهلكين
في السوق، يعرف التجار القاعدة البسيطة: حين تتنافس شركات التصدير وتجار الجملة على الكميات نفسها، ترتفع الأسعار بسرعة. ومع البصل والبطاطس تحديدًا، فإن توجيه جزء من المحصول مباشرة إلى محطات التعبئة والتصدير بدلًا من أسواق الجملة يقلل ما يصل إلى المستهلك المحلي، ويرفع السعر حتى قبل أن يشعر المواطن بسبب الزيادة. هذه ليست مفاجأة، بل نتيجة متوقعة لسياسة تعتبر التصدير هدفًا قائمًا بذاته، لا أداة يجب موازنتها مع الاحتياج الداخلي.
حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، سبق أن دافع عن استمرار التصدير واعتبر أن وقفه يضر بالمزارعين والاقتصاد، كما رفض في وقت سابق وقف تصدير البطاطس رغم ارتفاع أسعارها محليًا. هذا الموقف مفهوم من زاوية المنتجين والمصدرين، لكنه لا يجيب عن السؤال الاجتماعي الأهم: من يحمي المستهلك حين تتضارب مصلحة التصدير مع قدرة الأسر على الشراء؟ الحكومة هنا انحازت بوضوح إلى كفة المصدرين وحصيلة الدولار، بينما تُرك المستهلك لمواجهة الأسعار وحده. وحين ترتفع سلعتان أساسيتان مثل البطاطس والبصل في رمضان، فالمسألة لا تعود تفصيلًا تجاريًا، بل مؤشرًا على أولويات اقتصادية منحازة ضد الداخل.
وتؤكد مؤشرات السوق الدولية أن الطلب الخارجي على البطاطس والبصل المصريين مرتفع فعلًا. تقارير متخصصة تحدثت عن صعود قوي لصادرات البطاطس المصرية بفعل الطلب من روسيا وآسيا وبريطانيا، بينما أشارت تقارير أخرى إلى نمو صادرات البصل والثوم واستفادة مصر من اضطرابات سلاسل التوريد لدى منافسين آخرين. هذا يعني أن الحكومة لا تواجه فقط موسمًا محليًا ضاغطًا، بل تغريها أيضًا أسواق خارجية أكثر ربحًا. ومن دون تدخل تنظيمي حقيقي، تصبح السوق المحلية الطرف الأضعف دائمًا.
الحكومة تختبئ خلف الحرب وتتجاهل سوء الإدارة
السلطة تحاول دائمًا تعليق الغلاء على شماعة الظروف الإقليمية. صحيح أن الحرب والتوترات الجيوسياسية تؤثر على النقل والتجارة، لكن هذا ليس التفسير الكامل لارتفاع البطاطس والبصل. هناك سبب داخلي واضح: سياسة تشجع التصدير الزراعي باعتباره مصدرًا سريعًا للعملة الأجنبية، من دون بناء آلية ملزمة تضمن تلبية السوق المحلية أولًا بأسعار معقولة. وحتى الخطاب الرسمي يكشف ذلك. فوزيرا الزراعة والاستثمار لم يتحدثا عن حماية المستهلك، بل عن توسيع التصدير، وتعزيز نفاذ الصادرات، ووضع مصر على رأس الدول المصدرة. هذه لغة سلطة تنظر إلى المواطن بوصفه متلقيًا للنتائج، لا طرفًا يجب أن يكون في صلب القرار.
الدكتور علاء خليل، مدير معهد بحوث المحاصيل البستانية، كان قد قال إن إنتاج البصل في مصر يبلغ نحو 5 مليون طن سنويًا، بما يغطي الاحتياجات المحلية ويترك فائضًا يقترب من 1 مليون طن للتصدير، مع تصدير 26,000 طن في بداية 2025. على الورق، تبدو هذه الأرقام مطمئنة. لكن المشكلة أن الوفرة الإجمالية لا تعني تلقائيًا عدالة الإمداد في التوقيت الحساس، ولا تمنع القفزات السعرية حين يُسحب الجزء الأجود أو الأسرع تداولًا إلى الخارج. بعبارة أوضح: الإنتاج الكبير لا يحمي المواطن إذا كانت إدارة السوق منحازة إلى الربح التصديري قبل الاستقرار المحلي.
وأخيرا فإن أزمة البصل والبطاطس في رمضان ليست خللًا عابرًا في سوق الخضر، بل صورة مكثفة لطريقة إدارة الحكومة للاقتصاد كله. كل شيء يُقاس بالدولار، حتى لو جاء ذلك على حساب أبسط احتياجات الناس. المصدرون يكسبون. الحكومة تتباهى بأرقام التصدير. والمستهلك المصري، الذي يفترض أنه صاحب الأولوية في بلده، يدفع الثمن على مائدة إفطاره. وإذا استمرت الدولة في التعامل مع الغذاء باعتباره بندًا في ميزان العملة الأجنبية لا حقًا يوميًا للمواطن، فلن يكون ارتفاع البصل والبطاطس سوى مقدمة لموجات أغلى وأقسى في سلع أخرى.

