أظهرت جبهة جنوب لبنان منذ 2 مارس 2026 أن الرواية الإسرائيلية عن تدمير حزب الله بالكامل لا تصمد أمام الوقائع الميدانية. صحيح أن الحزب خرج من الحرب السابقة أكثر ضعفًا، بعد خسائر في القيادة والبنية اللوجستية ومخازن السلاح، لكن تجدد إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والاشتباك مع القوات الإسرائيلية التي دخلت جنوب لبنان يؤكد أن الحزب لم يتحول إلى هيكل فارغ.

 

ما جرى فعليًا هو تراجع كبير في قدراته مقارنة بما كان عليه قبل 2024، لا انهيار كامل يمنعه من الهجوم أو من إدارة قتال استنزافي على الحدود. لذلك فإن السؤال الأدق الآن ليس: هل دُمّر حزب الله؟ بل: ما نوع القدرة القتالية التي ما زالت لديه، وما حدودها، وإلى أي مدى يستطيع مواصلة القتال في ظل الضربات الإسرائيلية المستمرة

 

تراجع واضح في القوة.. لكن البنية لم تُمحَ

 

الضربات الإسرائيلية خلال الحرب السابقة ألحقت بالحزب أضرارًا كبيرة. تقديرات معهد واشنطن وصفت التنظيم في أواخر 2024 بأنه صار “ظلًا” مقارنة بما بناه منذ 2006، مع تآكل في مخزونه، وضربات لقيادته، وتراجع في حرية الحركة جنوب لبنان. وفي قراءة أحدث من المعهد نفسه، جرى التأكيد أن الحزب “أُنهك لكنه لم يُهزم نهائيًا”، وأنه يعمل على تعويض جزء من الخسائر رغم الصعوبات السياسية والعسكرية. هذه النقطة مهمة لأنها تفصل بين الدعاية السياسية والميزان العسكري الحقيقي: إسرائيل أضعفت الحزب بقوة، لكنها لم تُنهِ وجوده القتالي.

 

دانيال بايمان، أستاذ الأمن والدراسات الاستراتيجية بجامعة جورجتاون والباحث في CSIS، لخّص الصورة بقوله إن حزب الله “ليس ما كان عليه سابقًا”، لكنه “ما زال تهديدًا”. جوهر تقديره أن الحزب فقد جزءًا مهمًا من رصيده العسكري والردعي، لكنه احتفظ بما يكفي لإبقاء الجبهة الشمالية لإسرائيل تحت الضغط، وخاصة من خلال الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، والطائرات المسيّرة، والخبرة القتالية المتراكمة. هذا التقييم ينسف فكرة “التدمير الكامل” التي روّج لها بنيامين نتنياهو، ويستبدلها بصورة أكثر دقة: تنظيم ضُرب بقوة، لكنه لم يُستأصل.

 

وتشير تقديرات منشورة في مطلع مارس 2026 إلى أن الحزب دخل الجولة الحالية بترسانة أقل كثيرًا من تقديرات ما قبل حرب 2024. مركز ألما الإسرائيلي قدّر مخزونه بنحو 25,000 صاروخ وقذيفة قبل دخوله هذه الجولة، معظمها قصير ومتوسط المدى. هذه التقديرات غير مستقلة بطبيعة الحال، لكنها تعطي مؤشرًا على أن الضربات السابقة قلصت الترسانة من مستوى كان يُقدّر قبل سنوات بعشرات وربما مئات الآلاف إلى مستوى أدنى بكثير. ومع ذلك، فإن امتلاك 25,000 قذيفة، أو حتى رقمًا أدنى من ذلك، يعني بوضوح أن الحزب ما زال يملك قدرة على الإيذاء والإرباك، لا سيما في حرب استنزاف حدودية.

 

كيف يقاتل الآن.. أقل من حرب شاملة وأكثر من رد رمزي

 

الميدان منذ بداية مارس 2026 يوضح طبيعة القدرة الحالية للحزب. وكالة أسوشيتد برس نقلت أن حزب الله أطلق صواريخ وطائرات مسيرة على شمال إسرائيل، وأعلن استعداده لـ”حرب مفتوحة”، ما دفع إسرائيل إلى إدخال قوات إلى جنوب لبنان وتوسيع الضربات الجوية. هذا يعني أن الحزب ما زال قادرًا على تنفيذ هجمات منسقة، وعلى فرض معادلة اشتباك تتجاوز الرد الرمزي المحدود. لكنه في الوقت نفسه لا يقاتل من موقع القوة التي تسمح بحرب طويلة عالية الكثافة على نمط ما كان يُخشى منه قبل سنوات.

 

مايكل يونج، المحرر الأول في مركز كارنيغي للشرق الأوسط، يرى أن موارد الحزب “استُنزفت”، وقيادته “اهتزت”، ومساحته السياسية داخل لبنان “تقلصت”. لكن يونج يلفت أيضًا إلى أن داخل بيئة الحزب من يرى ضرورة استخدام ما تبقى من قدراته الردعية لمنع مزيد من التقدم الإسرائيلي أو فرض وقائع جديدة في الجنوب. هذه الرؤية تفسر السلوك الحالي: الحزب لا يبدو قادرًا على فرض حرب شاملة مريحة له، لكنه لا يزال قادرًا على القتال بما يكفي لمنع خصومه من الادعاء بأن كسره بات كاملًا أو نهائيًا.

 

القتال الحالي يبرهن أيضًا على أن قدرة الحزب لم تعد قائمة فقط على الحجم، بل على المرونة. فبدل الاعتماد على وابل كثيف طويل الأمد كما في السيناريوهات القديمة، يبدو أقرب إلى استخدام نيران انتقائية، مسيّرات، وضربات محسوبة على أهداف عسكرية أو مواقع دفاعية، مع الاستفادة من طبيعة الأرض الحدودية. هذا النوع من القتال لا يحتاج إلى ترسانة ما قبل 2024 كي يكون مؤلمًا. يكفي أن يحتفظ الحزب بسلسلة قيادة تعمل، ومخزون عملياتي قابل للاستخدام، وقاعدة بشرية قادرة على التحمل، حتى يظل طرفًا مقاتلًا لا يمكن شطبه بالتصريحات.

 

ما الذي يمنعه من العودة الكاملة.. وما الذي يجعله خطرًا رغم ذلك

 

العامل الأكبر الذي يقيّد الحزب الآن هو أن إعادة البناء أصعب بكثير مما كانت عليه بعد 2006. الضربات الإسرائيلية اللاحقة، وتشديد الرقابة، وتراجع حرية الحركة، والضغط الداخلي اللبناني باتجاه “احتكار الدولة للسلاح”، كلها عوامل تقلص هامش المناورة. كارنيغي أشارت في يناير 2026 إلى أن النقاش اللبناني حول نزع سلاح الحزب لم يعد هامشيًا، وأن الرئاسة والحكومة ترفعان شعار استعادة قرار الحرب والسلم إلى الدولة. وحتى لو لم يتحول هذا الشعار إلى سياسة ناجزة، فهو يعكس مناخًا سياسيًا أقل ملاءمة للحزب مما كان عليه في سنوات سابقة.

 

هنا يبرز رأي حنين غدّار، الباحثة في معهد واشنطن، التي تؤكد أن حزب الله “أُضعف لكنه ما زال خطيرًا”. تقديرها يركز على أن التنظيم لم يعد يمتلك حرية الرد الواسع نفسها، لكنه لا يزال قادرًا على تهديد إسرائيل ولبنان والمنطقة، وأن قدرته على التعافي ترتبط بدرجة كبيرة بما إذا كانت إيران ستنجح في إعادة تسليحه وتمويله واستعادة شبكات الإمداد. هذا يعني أن مستقبل قوة الحزب ليس قرارًا داخليًا لبنانيًا فقط، بل مرتبط أيضًا بمآلات الحرب الأوسع على إيران ومحور حلفائها.

 

وأخيرا فإن نتنياهو لم “يدمر” حزب الله بالمعنى الذي ينهيه كقوة مقاتلة. ما تحقق إسرائيليًا هو إضعاف ثقيل، وتآكل كبير في المخزون والقيادة والهيبة. لكن الحزب ما زال قادرًا على الهجوم، وإطلاق الصواريخ، واستخدام المسيّرات، وخوض قتال حدودي يربك إسرائيل ويكلفها. لذلك فالوصف الأدق اليوم هو أن حزب الله لم يعد القوة التي كانها قبل الحرب السابقة، لكنه أيضًا لم يتحول إلى جثة عسكرية. إنه تنظيم مجروح، أقل قدرة، أضيق هامشًا، لكنه لا يزال حيًا في الميدان، وخطره الفعلي أكبر من الرواية الإسرائيلية التي تدّعي أنه انتهى.