دخل الاقتصاد المصري أسبوعًا ثانيًا من الضغوط الحادة مع اتساع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فانكشفت سريعًا هشاشة التوازن الذي روّجت له الحكومة خلال الشهور الماضية.

 

تراجع الجنيه بنحو 3.8% إلى 3.9% منذ نهاية يناير، وعادت العملة الأمريكية لتلامس وتتجاوز مستوى 50 جنيهًا في السوق المصرفية، بينما تحولت الأسواق إلى ساحة تخارجات وضغوط تمويلية بعد خروج ما لا يقل عن 1.8 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين بين 15 و26 فبراير.

 

بذلك لم تعد الأزمة مجرد أثر خارجي عابر، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الدولارية في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.

 

ديون مارس تضغط.. والأموال الساخنة تكشف العجز القديم

 

أخطر ما يواجه الحكومة الآن ليس فقط ارتفاع الدولار، بل تزامن الصدمة الخارجية مع جدول التزامات قصير الأجل يضغط بقوة على السيولة. البنك المركزي أعلن في أحدث عطاءات أذون الخزانة المطروحة في 5 مارس 2026 طلبات واستحقاقات كبيرة خلال مارس، بينما تشير تقديرات منشورة إلى أن مارس يمثل ذروة الضغوط التمويلية قصيرة الأجل هذا العام. المشكلة هنا أن جزءًا معتبرًا من هذه الأدوات في حيازة أجانب، ما يضاعف حساسية السوق لأي موجة خروج جديدة.

 

هذا هو جوهر المأزق. الحكومة بنت استقرارًا هشًا على تدفقات سريعة الحركة. وما إن ارتفعت المخاطر حتى بدأت هذه الأموال في إعادة التموضع. د. محمد فؤاد قال إن السيناريو الأقرب لا يزال “اضطرابًا محدودًا قابلًا للاحتواء” ما لم تتطور الحرب إلى مسار ممتد يضغط على الطاقة وشهية المخاطر عالميًا، لكنه ربط ذلك صراحة بإمدادات الغاز، وفاتورة الواردات، وعجز الحساب الجاري، وتكاليف الشحن والتأمين عبر الممرات الإقليمية. هذا التوصيف، حتى وهو أقل تشددًا، يقر بأن عناصر الخطر الأساسية قائمة بالفعل.

 

د. عالية المهدي ذهبت أبعد من ذلك، حين حددت 3 قنوات رئيسية للضرر: تراجع متوقع في إيرادات قناة السويس، وتراجع محتمل في السياحة، وضغط على الطاقة. كما ربطت حجم الخسارة بمدة الحرب، ودعت إلى دراسة بدائل للغاز من الجزائر أو ليبيا أو روسيا. في لغة الاقتصاد، هذا يعني أن الحكومة دخلت الأزمة مكشوفة على أكثر من جبهة، من المرور الملاحي إلى الطاقة إلى النقد الأجنبي، من دون شبكة أمان كافية.

 

ويرى د. مراد علي، في قراءاته الأوسع لأزمة الاقتصاد المصري ومسار التمويل والاستثمار، أن نقطة الضعف الجوهرية تبقى في الاعتماد المفرط على الاقتراض السريع والتدفقات غير المستقرة، وهي البنية نفسها التي تجعل أي صدمة جيوسياسية تتحول بسرعة إلى ضغط على الدولار والأسعار. هذا التقدير ينسجم مع ما أظهرته السوق خلال الأيام الماضية، حتى لو سبق طرحه في إطار أوسع من الحرب الحالية.

 

الغاز والسياحة وقناة السويس.. مصادر الدولار تتآكل معًا

 

في الوقت نفسه، لم تأت الضربة من المال وحده. فقد توقفت إمدادات الغاز إلى مصر منذ مطلع مارس، بحسب تقارير متعددة، مع تحذيرات من أن استمرار الانقطاع لأكثر من 48 ساعة قد يفرض خفضًا لإمدادات القطاع الصناعي. كما أكدت الحكومة أنها فعّلت سيناريوهات للحفاظ على الكهرباء، بالتوازي مع توجه مصر إلى استيراد نحو 100 شحنة غاز مسال خلال 2026 لسد فجوة بين الاستهلاك والإنتاج المحلي.

 

هنا تظهر أهمية رأي د. سالي صلاح، التي وصفت تجميد صفقة الغاز الإسرائيلية بأنه “جرس إنذار” لأمن مصر الطاقي، واعتبرت الاعتماد على هذا المصدر دليلاً على هشاشة بنيوية في إدارة ملف الطاقة. هذا الرأي يلتقي مع الواقع الحالي: الدولة تواجه فجوة طاقة في توقيت ترتفع فيه أسعار النفط والغاز وتكاليف الشحن، أي أنها تُدفع إلى السوق الدولية في أسوأ لحظة ممكنة.

 

ولم يكن قطاع السياحة أفضل حالًا. تقارير اقتصادية رصدت أن الحرب أوقفت مسار التعافي الذي كانت تراهن عليه القاهرة في 2026، وأن صورة المنطقة ككل أعادت إنتاج الحذر نفسه لدى السائح الأجنبي. ومع تعطل بعض مسارات الملاحة وتزايد كلفة التأمين، تصبح قناة السويس بدورها أقل قدرة على تعويض هذا النقص. د. عالية المهدي حذرت مبكرًا من هذا الأثر المزدوج، وهو ما تؤكده أيضًا تقارير عن وقف غالبية الشركات المرور عبر القناة في الأيام الأولى للتصعيد.

 

موجة غلاء وتذاكر ملتهبة.. والسلطة ترد بالتهديد لا بالإصلاح

 

الأثر الاجتماعي بدأ يظهر بسرعة. هبوط البورصة، وارتفاع الدولار، واتساع فاتورة الطاقة، تعني جميعها ضغوطًا إضافية على الأسعار. هاني توفيق حذر بوضوح من أن صعود سعر البترول إلى نحو 90 دولارًا، بينما بُنيت الموازنة على 75 دولارًا، قد يضيف نحو 75 مليار جنيه إلى عجز الموازنة، فضلًا عن ارتفاع تكلفة النقل والإنتاج المحلي والمستورد، أي موجة تضخم جديدة يدفع ثمنها المواطن. هذا التقدير يختصر المسار المتوقع خلال الأسابيع المقبلة إذا طال أمد الحرب.

 

الارتباك امتد إلى حركة الطيران أيضًا. فقد أثير جدل واسع حول القفزات الكبيرة في أسعار تذاكر العودة من الخليج، في وقت بررت فيه الجهات المعنية الزيادات بارتفاع مخاطر التشغيل والتأمين وتخصيص جانب محدود فقط للبيع التجاري مع توجيه بقية السعة لنقل العالقين. لكن رد السلطة لم يتجه أولًا إلى تفكيك أسباب الاختناق في السوق، بل إلى التهديد بإحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري. هذا الأسلوب قد يردع بعض الممارسات، لكنه لا يعالج أصل المشكلة: اقتصاد يعاني أصلًا من شح الدولار، وارتفاع كلفة الواردات، واعتماد مفرط على الحلول الأمنية بدل المعالجة المؤسسية.

 

الخلاصة أن الأزمة الحالية لم تصنع هشاشة الاقتصاد المصري، لكنها فضحتها بسرعة. الحكومة لا تواجه فقط حربًا على حدود بعيدة، بل تواجه حصيلة سنوات من إدارة قائمة على الدَّين القصير، والطاقة غير المضمونة، والاعتماد على الأموال الساخنة. وإذا صح تحذير منصة “مينا أنليشد” من أن إطالة أمد الحرب قد تدفع مصر إلى حافة الإفلاس خلال 12 شهرًا، فالمعنى السياسي والاقتصادي واحد: الخطر الحقيقي ليس الحرب وحدها، بل أن تدخلها الدولة وهي أصلًا في وضع لا يحتمل صدمة طويلة.