أعلنت إيران، مساء السبت 7 مارس 2026، تنفيذ الموجة 27 من عملية "الوعد الصادق 4" بتكتيك جمع بين الصواريخ والطائرات المسيرة، مع توسيع بنك الأهداف ليشمل مواقع داخل إسرائيل وقواعد ومرافق مرتبطة بالوجود الأمريكي في الخليج. البيان الإيراني تحدث عن إصابات مباشرة في حيفا، وضربات قرب المنامة، فيما ردت إسرائيل بغارات على جنوب لبنان وشرقه. وفي نهاية هذا المشهد المزدحم، حضرت الإشارة البرلمانية التي أوردتها النائبة على الهامش، من دون أن تغيّر جوهر التطور العسكري أو مساره.

 

الموجة 27: رسائل نارية تتجاوز إسرائيل

 

بحسب بيان العلاقات العامة للحرس الثوري، فإن الموجة الجديدة استهدفت مواقع عسكرية محددة في مدينة حيفا باستخدام صواريخ "خيبر شكن" العاملة بالوقود الصلب، مع تأكيد إيراني على دقة التوجيه ونجاح الإصابة. كما قالت طهران إن العملية لم تقتصر على ساحة واحدة، بل صيغت كضربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الصواريخ والطائرات المسيرة والضغط البحري، بما يعكس رغبة واضحة في إظهار أن الرد الإيراني لم يعد محصورًا داخل حدود الاشتباك التقليدي مع إسرائيل وحدها.

 

وأضافت الرواية الإيرانية أن وحدات الطائرات المسيرة استهدفت مقرًا عسكريًا أمريكيًا في منطقة مارينا، قرب مبانٍ تابعة لشركة "وارنر براذرز"، فيما قالت إن البحرية التابعة للحرس ضربت ملاجئ دعم عسكري أمريكي في ميناء سلمان بالمنامة. هذه النقطة بالذات تعني، سياسيًا وعسكريًا، أن طهران تحاول نقل الرسالة إلى واشنطن مباشرة، لا عبر الوكلاء فقط. وترى الدكتورة سنم وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "تشاتام هاوس"، أن الحرب دخلت مرحلة "وجودية" بالنسبة لطهران، وأنها مرشحة لأن تطول، لأن القيادة الإيرانية تنظر إليها كمعركة بقاء للنظام لا مجرد جولة تصعيد قابلة للاحتواء.

 

حيفا تحت النار والجبهة اللبنانية تشتعل

 

بالتوازي مع البيان الإيراني، نقلت وسائل إعلام إسرائيلية سماع انفجارات قوية في خليج حيفا، مع صفارات إنذار متواصلة في المدينة. وتحدثت تقارير عن رشقة صاروخية كبيرة، وُصفت بأنها من أعنف الضربات منذ تجدد الحرب على لبنان، مع حديث عن أكثر من 40 صاروخًا أطلقت من الأراضي اللبنانية باتجاه حيفا، إضافة إلى استهداف نهاريا بطائرات مسيرة انقضاضية. هذا التزامن بين الإعلان الإيراني والنيران القادمة من الجبهة اللبنانية يعكس تداخلًا متزايدًا بين ساحات المواجهة، حتى لو اختلفت الجهات المنفذة وخطوط القيادة المباشرة.

 

ويقول علي واعظ، مدير مشروع إيران في "مجموعة الأزمات الدولية"، إن الرهان على أن القصف وحده يمكن أن ينتج تغييرًا سياسيًا داخليًا سريعًا في إيران هو رهان هش، لأن الضربات قد تضعف البنية العسكرية لكنها لا تصنع بديلًا سياسيًا منظمًا. ويضيف أن الحرب تحولت بالفعل إلى اشتعال إقليمي، وأن استمرارها يهدد بتوسيع دوائر الفوضى وعدم الاستقرار، ليس فقط في إيران، بل في الإقليم كله، من الخليج إلى شرق المتوسط. هذا التقييم يفسر لماذا تبدو كل ضربة جديدة قابلة لأن تستدعي ردًا من ساحة أخرى.

 

الرد الإسرائيلي جاء سريعًا مساء السبت، عبر غارات جوية وقصف مدفعي طال مناطق في جنوب لبنان، مع امتداد العمليات إلى الشرق اللبناني في سياق أوسع من التصعيد. تقارير دولية تحدثت عن سقوط عشرات القتلى في لبنان خلال ضربات السبت وحدها، بينما كانت حصيلة الأيام السابقة قد ارتفعت بصورة متواصلة منذ الإثنين 2 مارس. ووفق بيانات نقلتها وسائل إعلام دولية عن وزارة الصحة اللبنانية، بلغ عدد القتلى 217 والمصابين 798 حتى مساء الجمعة، فيما تورد المادة محل المعالجة رقمًا أعلى حتى ظهر السبت، بما يعكس سرعة تغير الحصيلة وصعوبة تثبيتها في لحظة اشتباك مفتوح.

 

حرب مفتوحة ومخاطر تتجاوز الميدان

 

إصرار الحرس الثوري على الإعلان عن استمرار الهجمات ضد الأهداف الأمريكية والإسرائيلية "حتى تحقيق النصر النهائي" يكشف أن طهران تريد تثبيت معادلة جديدة: كلما اتسع الضغط عليها، اتسعت معها خرائط الرد. هنا لا تبدو الرسالة عسكرية فقط، بل اقتصادية وأمنية أيضًا، لأن إدخال قواعد أمريكية ومرافئ خليجية في المشهد يرفع كلفة الحرب على التجارة والطيران والطاقة، ويدفع العواصم العربية المجاورة إلى حافة الانخراط القسري في أزمة لم تخترها.

 

ويشير الدكتور روب جونسون، مدير مركز أكسفورد للاستراتيجية وتكنولوجيا الحرب، إلى أن الضربات الإيرانية على قواعد أمريكية في قطر والكويت والإمارات والبحرين جعلت من نزاع كان يمكن أن يبقى محدودًا مواجهة إقليمية أوسع. وبرأيه، فإن اتساع المسرح القتالي يغيّر حسابات الجميع، لأن طهران لم تعد تواجه خصمًا واحدًا، بينما ترى واشنطن وتل أبيب أن الضغط الجوي المستمر قد يفتح باب استنزاف طويل لا يضمن حسمًا سريعًا. هذه القراءة تفسر لماذا تتجاور لغة الردع مع مؤشرات القلق من حرب ممتدة.

 

في المحصلة، تكشف الموجة 27 أن المنطقة انتقلت من تبادل الضربات إلى مرحلة اختبار القدرة على إدارة حرب متعددة الجبهات. حيفا لم تعد مجرد عنوان إسرائيلي معزول. والمنامة لم تعد بعيدة عن النار. ولبنان يدفع الثمن يوميًا مع كل جولة جديدة. أما واشنطن، فباتت مطالبة بالتعامل مع ساحة تتشابك فيها إيران وإسرائيل وحزب الله والقواعد الأمريكية في وقت واحد. هذا هو جوهر الخبر الآن: اتساع الحرب أسرع من قدرة الأطراف على ضبطها.