أعاد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي فتح باب توسيع القبضة الأمنية على المجال المدني، بعدما وجّه بدراسة إمكانية إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، خلال حفل إفطار نظمته الأكاديمية العسكرية المصرية في 5 مارس 2026. الخطوة جاءت في لحظة تشهد فيها السوق المصرية ضغوطًا واضحة بسبب الحرب الإقليمية، وصعود الدولار، ومخاوف موجة تضخم جديدة.

 

لكن بدلًا من إعلان حزمة اقتصادية مباشرة تكبح الأسعار أو تخفف الضغط على المواطنين، اختار السيسي والحكومة العودة إلى لغة الردع الاستثنائي، في إشارة اعتبرها منتقدون تعبيرًا عن عجز السلطة عن معالجة أصل الأزمة، لا عن قدرتها على حلها. ووفق البيان الرسمي، قال السيسي إن البلاد في حالة “شبه طوارئ”، وإنه وجّه بدراسة إحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري، مضيفًا: “اطمئنوا بفضل الله… أننا بخير”.

 

مقاربة أمنية تكشف ضيق أدوات الحكومة

 

لم تأتِ تصريحات السيسي في فراغ. فالجنيه المصري هبط مع إغلاق تعاملات الخميس 5 مارس 2026 إلى نحو 50.2 جنيه للدولار، وهو أدنى مستوى له في 8 أشهر، وسط تقارير عن خروج استثمارات قصيرة الأجل، بينما تجاوز الدولار حاجز 50 جنيهًا في البنوك المحلية خلال الأيام الماضية. هذا الارتفاع يضغط مباشرة على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، خاصة في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد وتعرّضت عملته لتراجع حاد منذ 2022.

 

المشكلة هنا أن السلطة تعرف جيدًا مصدر الضغط، ثم تتصرف وكأن جذور الأزمة أخلاقية أو انضباطية فقط. فارتفاع الأسعار في مصر لا يرتبط بالمضاربة وحدها، بل بسعر الصرف، وكلفة الاستيراد، وارتباك السوق، وفشل الإدارة الاقتصادية في بناء حماية حقيقية للمستهلك. ومع ذلك، اختار السيسي أن يقدّم الإحالة إلى القضاء العسكري باعتبارها أداة الرد الأساسية، لا بوصفها آخر إجراء في منظومة أوسع. وهذا يكشف مرة أخرى أن الدولة تميل إلى تجريم النتائج بدلًا من مراجعة الأسباب التي صنعتها سياساتها نفسها.

 

ويقول كريم العمدة، الخبير الاقتصادي، إن التلويح بإحالة المتلاعبين بالأسعار إلى القضاء العسكري يظل إجراءً مؤقتًا أو تحوطيًا، وليس حلًا دائمًا للأزمة. ويعني ذلك أن الردع قد يخلق خوفًا لدى بعض التجار، لكنه لا يعالج أصل المشكلة المرتبط بارتفاع الدولار وتزايد كلفة الاستيراد واحتمال استمرار الحرب في المنطقة. هذا التقدير ينسف الرواية الرسمية التي توحي بأن القبضة القانونية المشددة تكفي وحدها لضبط السوق. فهي لا تفعل أكثر من تأجيل الانفجار، بينما تبقى الأزمة الاقتصادية في مكانها.

 

القضاء العسكري يتمدد إلى السوق المدنية

 

اللافت أن حديث السيسي لم يأتِ خارج سياق تشريعي ممهد، بل فوق أرضية قانونية جرى توسيعها بالفعل خلال 2024. فوفق هيومن رايتس ووتش، أصدرت السلطات المصرية في أوائل فبراير 2024 تشريعًا جديدًا يرسخ ويُوسع صلاحيات الجيش على الحياة المدنية، ويمنح العسكريين صلاحيات أوسع في الضبط والتفتيش والقبض في ما يتعلق بجرائم تمس “الاحتياجات الأساسية للمجتمع” مثل السلع الغذائية والمنتجات الأساسية، مع إمكان إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري. المنظمة قالت بوضوح إن هذه القوانين توسع سلطة الجيش على حساب القضاء المدني والشرطة والجهات المدنية الأخرى.

 

الأخطر أن القانون رقم 3 لسنة 2024، بحسب قراءة هيومن رايتس ووتش، لا يقف عند حماية المنشآت العامة والحيوية فقط، بل يستخدم عبارات واسعة تسمح بتمدد عسكري أكبر في إدارة الحياة اليومية والأسواق، تحت عنوان حماية الأمن القومي وحقوق الناس. هذا التوسع ليس تفصيلًا قانونيًا. إنه نقل إضافي لاختصاصات مدنية إلى المؤسسة العسكرية، في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من انكماش المجال العام وتراجع الضمانات القضائية الطبيعية.

 

ويقول عمرو مجدي، الباحث الأقدم في هيومن رايتس ووتش، إن ترسيخ هيمنة الجيش على الحياة المدنية هو استراتيجية لاحتواء السخط المتزايد على إخفاقات الحكومة الاقتصادية والسياسية، وإن الأزمة المالية في مصر لن تُحل عبر دفع مزيد من المصريين إلى محاكمات عسكرية تفتقر إلى العدالة. أهمية هذا الكلام أنه يصدر عن قراءة تربط بين الاقتصاد والقانون والسياسة معًا: السلطة لا تعالج الغلاء، بل توسع أدوات القمع حوله.

 

اعتراف بالأزمة ومحاولة لتغيير العنوان

 

في دفاعه عن الخطوة، قال سمير راغب، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن الإحالة إلى القضاء العسكري قد تمثل وسيلة ردع فعالة بسبب سرعة الإجراءات مقارنة بالمحاكم المدنية، وإن هذا المسار استُخدم سابقًا في قضايا الإرهاب والاعتداء على الأراضي الزراعية والمواد التموينية. لكن هذا الدفاع نفسه يكشف جوهر الأزمة. فالحكومة لم تعد تراهن على إصلاح أدوات السوق أو توسيع العرض أو خفض أثر الدولار، بل على “السرعة” في العقاب. أي أنها تحاول إدارة الخوف، لا إدارة الاقتصاد.

 

كما خرجت أصوات برلمانية مؤيدة مثل مصطفى بكري وباسل عادل لتقديم الخطوة باعتبارها دفاعًا عن الأمن الاقتصادي أو توازنًا بين السوق ودور الدولة. لكن المشكلة أن هذا الخطاب يتجاهل أن الأمن الاقتصادي لا يبدأ بالمحاكم العسكرية، بل بسياسات تمنع أصلًا انفلات الأسعار، وتبني احتياطيات، وتقلل هشاشة السوق أمام الصدمات الخارجية. أما حين يُترك الجنيه ليتراجع، والسلع لتغلو، ثم يُطلب من الناس الاطمئنان لأن “الدولة بخير”، فإن الرسالة تصبح عكسية: السلطة تعرف حجم الأزمة، لكنها تختار تغيير عنوانها من “فشل اقتصادي” إلى “تلاعب تجاري”.

 

الواقع أن السوق المصرية لم تصل إلى هذه اللحظة بسبب جشع بعض التجار فقط، بل بسبب مسار اقتصادي كامل قائم على الاستيراد، والارتهان للدولار، والتأثر الشديد بأي حرب أو هزة إقليمية. والسيسي نفسه أقر بأن الحرب ستترك تداعيات على الأسعار، وأن مصر تعيش حالة “شبه طوارئ” اقتصاديًا. لكن بدلًا من أن يقود هذا الاعتراف إلى مراجعة السياسات التي عمقت الهشاشة، جرى توجيه الأنظار سريعًا نحو القضاء العسكري باعتباره الحل الأسرع.

 

وفي النهاية، لا تبدو خطوة السيسي مجرد تشدد عابر ضد المحتكرين، بل امتدادًا واضحًا لمنهج حكم يفضل عسكرة الأزمات بدلًا من حلها. فحين تعجز الحكومة عن حماية العملة، أو ضبط كلفة الاستيراد، أو كبح التضخم، يصبح اللجوء إلى القضاء العسكري محاولة لإظهار القوة في غير موضعها. والنتيجة ليست سوقًا أكثر استقرارًا، بل دولة أكثر توترًا، ومواطنًا أكثر فقرًا، وسلطةً تحاول ستر فشلها الاقتصادي بإجراءات استثنائية جديدة.