كشف مسار التغيير الذي يفرضه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي على التعليم العالي في مصر عن انحياز سياسي وإداري واضح ضد الجامعة المدنية التقليدية، عبر تقليص بعض التخصصات بدعوى عدم ملاءمتها لسوق العمل، بالتوازي مع فتح أبواب جديدة لخريجي الكليات العسكرية للحصول على درجات مدنية تنافس خريجي الجامعات الحكومية في المجالات نفسها.
هذه السياسة لا تبدو إصلاحًا تعليميًا بقدر ما تبدو إعادة توزيع للفرص والنفوذ داخل الدولة، بما يضرب مبدأ تكافؤ الفرص، ويضع آلاف الطلاب والخريجين أمام مستقبل أكثر غموضًا، خصوصًا مع تعثر التكليف في بعض القطاعات الطبية وتوسيع الامتيازات الممنوحة للمؤسسة العسكرية. وكانت الرئاسة قد أعلنت في اجتماع 27 يناير 2024 توجيهات بربط التعليم الجامعي بسوق العمل والتوسع في المسارات التكنولوجية والتحالفات مع الصناعة، في إطار هذا التحول الأوسع.
إغلاق أبواب الجامعة المدنية باسم سوق العمل
السلطة تطرح خطتها باعتبارها تحديثًا للتعليم، لكن جوهرها الفعلي هو تقليص مساحات الدراسة الحرة داخل الجامعة العامة، وتحويلها إلى مؤسسة تخضع بالكامل لحسابات السلطة التنفيذية. فحين يجري الحديث عن وقف أو تقليل القبول في تخصصات بعينها لأن سوق العمل لا يحتاجها الآن، فإن القرار لا يمس أرقام التنسيق فقط، بل يضرب فكرة الجامعة نفسها باعتبارها فضاء للمعرفة المتنوعة، لا مجرد خط إنتاج محدود يخرج عمالة حسب الطلب الحكومي. وهذا التوجه ظهر بوضوح في الخطاب الرسمي الذي ربط جودة التعليم العالي مباشرة باحتياجات السوق، مع دفع واضح نحو الجامعات التكنولوجية والبرامج التطبيقية على حساب مسارات أخرى.
الأخطر أن هذا المنطق يتجاهل أن الدولة نفسها مسؤولة عن تشوهات سوق العمل، وعن تراجع التعيين الحكومي، وعن ضعف الاستثمار المنتج القادر على استيعاب الخريجين. ثم تعود السلطة لتحاسب الطلاب على أزمة لم يصنعوها، فتغلق أمامهم تخصصات أو تضيقها، بدلًا من معالجة الخلل الاقتصادي الأوسع. بهذه الطريقة، يتحول الطالب من صاحب حق في التعليم إلى متلقٍ لقرار فوقي يحدد له ماذا يدرس وماذا لا يدرس، وفق رؤية رسمية ضيقة قد تتغير كل عام.
ويقول الدكتور شريف حسن قاسم، أستاذ الاقتصاد بأكاديمية السادات، إن منح جهات غير أكاديمية سلطة موازية في تقرير شكل المخرجات التعليمية أو منافسة الجامعات المدنية في المجالات نفسها يربك سوق العمل ويؤثر في توازنه. وهذا التقدير يكشف أن المسألة ليست مجرد إعادة تنظيم للتخصصات، بل إعادة رسم لخريطة الامتيازات داخل المجال التعليمي كله.
خنق الخريجين المدنيين وتركهم في مواجهة البطالة
السياسات الجديدة لا تكتفي بتقليص التخصصات، بل تمتد إلى ضرب المسارات التي كانت تمثل الحد الأدنى من الأمان الوظيفي لخريجي بعض الكليات، خصوصًا الطبية. ففي ملف التكليف، أكدت تقارير منشورة خلال 2025 أن وزارة الصحة طبقت نظام “التكليف حسب الاحتياج” بدلًا من التكليف الشامل، ما أدى إلى أزمة حادة بين خريجي طب الأسنان، خاصة دفعتي 2023 و2024. ونقلت تقارير عن مصدر بوزارة الصحة أن احتياج الوزارة لا يزيد على نحو 1000 طبيب أسنان من بين ما يقارب 10000 خريج، بينما تحركت النقابة للدفاع عن حق الدفعات المتضررة بعد أن وجدت نفسها أمام مستقبل مهني معلق.
هذا التحول يكشف التناقض الصارخ في خطاب الدولة. فهي تقول إنها تريد تعليمًا مرتبطًا بسوق العمل، لكنها في الوقت نفسه تتراجع عن استيعاب خريجين في قطاعات خدمية أساسية، ثم تتركهم في مواجهة البطالة أو الهجرة أو العمل الهش. النتيجة أن الخريج المدني يدفع الثمن مرتين: مرة حين يجري التضييق على تخصصه أو إضعاف قيمته، ومرة حين يتخرج ليكتشف أن الدولة التي أعادت تشكيل المسار التعليمي لا تملك له مسارًا مهنيًا واضحًا.
ويقول كمال مغيث، الخبير التربوي، إن هذه القرارات تطرح أسئلة جوهرية عن العدالة وتكافؤ الفرص، لأن الدولة لا تعيد هيكلة التعليم وفق مصلحة مجتمعية شاملة، بل وفق تصور إداري يضيق على بعض الفئات ويفتح المجال لفئات أخرى. وهذا التوصيف يطابق ما يراه كثيرون داخل الأوساط التعليمية: أن الطالب المدني يُطلب منه التكيف مع التقليص المستمر، بينما يحصل غيره على مسارات أوسع ومزايا إضافية.
منح الدرجات المدنية للعسكريين ينسف تكافؤ الفرص
في المقابل، لم تكتف السلطة بإعادة توجيه الجامعة المدنية، بل منحت المؤسسة العسكرية مساحة أوسع داخل المجال الأكاديمي المدني. فقد نص قرار رئيس الجمهورية رقم 302 لسنة 2022، المنشور في 5 يوليو 2022، على منح خريجي الكليات التابعة للأكاديمية العسكرية المصرية درجات مدنية مماثلة لتلك التي تمنحها الجامعات المصرية، تشمل العلوم السياسية والاقتصاد والإحصاء لخريجي الكلية الحربية، ودرجات في الاقتصاد والعلوم السياسية وإدارة أعمال النقل واللوجستيات لخريجي الكلية البحرية، وبكالوريوس التجارة في تخصصات مرتبطة بإدارة الطيران والمطارات ونظم المعلومات لخريجي الكلية الجوية، إلى جانب درجات هندسية متعددة لخريجي الدفاع الجوي.
هذه الخطوة ليست تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل انقلاب واضح على قواعد المنافسة بين خريجي التعليم المدني والعسكري. فبينما يجري تضييق المسارات على طلاب الجامعات العامة بدعوى السوق، تُفتح في الوقت نفسه أبواب موازية أمام خريجي المؤسسة العسكرية للحصول على الشهادات نفسها، مع ما يرافق ذلك من نفوذ مؤسسي وفرص أوسع داخل أجهزة الدولة. وهكذا يصبح الحديث عن “ربط التعليم بسوق العمل” مجرد غطاء لسياسة أكثر عمقًا: إضعاف الجامعة المدنية من جهة، وتوسيع الحضور العسكري داخل الوظائف المدنية والسياسية والإدارية من جهة أخرى.
ويقول الدكتور شريف حسن قاسم إن هذا التداخل يؤثر مباشرة في توازن سوق العمل، لأن منح درجات مدنية من مسارات ذات طبيعة مختلفة يخلق منافسة غير متكافئة. أما الخبير التربوي كمال مغيث فيرى أن هذه القرارات تفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول العدالة بين من يدخل الجامعة المدنية عبر مسار تقليدي مزدحم، ومن يحصل على امتيازات تعليمية مزدوجة داخل مؤسسة تملك أصلًا قوة ونفوذًا مختلفين.
في النهاية، لا تبدو سياسة السيسي في التعليم العالي مجرد مراجعة لتخصصات أو تحديث لمناهج، بل مشروعًا لإعادة هندسة المجال الجامعي كله بما يخدم رؤية سلطوية ضيقة. فبدلًا من إنقاذ الجامعة المدنية، يجري تجريفها تدريجيًا. وبدلًا من حماية الخريجين، يُتركون لمصير غامض. وبدلًا من تحقيق العدالة، تُمنح امتيازات إضافية لمن يملكون أصلًا أدوات القوة. والنتيجة هي تعليم أعلى أقل حرية، وأقل عدالة، وأكثر خضوعًا لحسابات السلطة من أي وقت مضى.

