كشفت أزمة المعاشات من جديد اتساع الفجوة بين دخول كبار السن وتكاليف المعيشة، في وقت تتسارع فيه أسعار السلع والخدمات تحت ضغط التضخم والاضطرابات الإقليمية. فشريحة واسعة من أصحاب المعاشات، خصوصًا من يتقاضون الحد الأدنى، باتت تواجه صعوبة متزايدة في تدبير الاحتياجات الأساسية، مع تآكل القوة الشرائية وغياب تحرك استثنائي يتناسب مع حجم الضغوط الحالية. وفي هذا السياق، تقدمت النائبة إيرين سعيد، رئيسة الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية وعضو لجنة الصحة بمجلس النواب، بطلب إحاطة بشأن تدني الحد الأدنى للمعاشات وعدم تماشيه مع التضخم، إضافة إلى المطالبة بتفعيل دور صندوق رعاية المسنين.

 

الحد الأدنى للمعاشات تحت ضغط الغلاء

 

تعاني شريحة كبيرة من أصحاب المعاشات من ضغوط معيشية متزايدة، خصوصًا من يحصلون على الحد الأدنى. فهذه الفئة تتأثر مباشرة بأي زيادة في أسعار الغذاء والدواء والمرافق والنقل، لأنها تعتمد على دخل ثابت لا يتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها الأسعار في السوق.

 

وتشير المذكرة المقدمة إلى أن التضخم العالمي والمحلي، إلى جانب الزيادات المرتقبة في أسعار السلع الاستراتيجية بفعل التوترات الجيوسياسية والحروب، أدى إلى تآكل واضح في القيمة الحقيقية للمعاش. وهذه النقطة تمثل جوهر الأزمة، لأن المشكلة لم تعد في قيمة المعاش الاسمية، بل في قدرته الفعلية على تغطية الاحتياجات اليومية الأساسية.

 

ومن هنا جاءت المطالبة بإجراء مراجعة استثنائية للحد الأدنى للمعاشات، بما يتناسب مع تكاليف المعيشة الحالية، مع الإشارة إلى المادة 27 من الدستور التي تنص على ضمان حياة كريمة للمواطنين. هذه الإحالة الدستورية تعني أن القضية لم تعد مجرد مطلب مالي، بل أصبحت مرتبطة بمستوى الحماية الاجتماعية الذي يفترض أن تلتزم به الدولة تجاه كبار السن.

 

ويقول الدكتور فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، إن مشكلة أصحاب المعاشات ترتبط أساسًا بقدرة الدخول الثابتة على ملاحقة التضخم. ويضيف أن أي تأخير في تعديل المعاشات في فترات ارتفاع الأسعار ينعكس سريعًا على مستويات المعيشة، لأن هذه الفئة لا تمتلك مصادر دخل بديلة تعوض التراجع في القوة الشرائية.

 

غياب الحصر الدقيق يربك توجيه الدعم

 

من بين النقاط المهمة التي تضمنها طلب الإحاطة الدعوة إلى إجراء حصر شامل لعدد أصحاب المعاشات الذين يتقاضون الحد الأدنى، مع تصنيف حالاتهم الاجتماعية. وهذه المسألة تبدو إجرائية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة أساسية لأي سياسة حماية اجتماعية جادة، لأن الدعم لا يمكن توجيهه بكفاءة من دون قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة.

 

فالفئات التي تتقاضى الحد الأدنى ليست كتلة واحدة. هناك من يعول أسرة كاملة، وهناك من يعيش بمفرده، وهناك من يتحمل أعباء علاج مزمن أو احتياجات خاصة مرتبطة بالسن. لذلك فإن غياب التصنيف الاجتماعي الدقيق يجعل أي تدخل حكومي عامًا ومحدود الأثر، لأنه لا يميز بين حالات متفاوتة في درجة الاحتياج.

 

كما أن ضعف الحصر يعرقل تقييم أثر السياسات الحالية. فالدولة قد تعلن عن برامج دعم أو زيادات دورية، لكنها تظل عاجزة عن معرفة من استفاد فعلًا، ومن بقي خارج مظلة الحماية، وما إذا كانت المساعدات تصل إلى الفئات الأشد احتياجًا أم لا.

 

وتقول الدكتورة عالية المهدي، أستاذة الاقتصاد، إن فعالية أي نظام حماية اجتماعية تبدأ من جودة البيانات. وتضيف أن توجيه الموارد المحدودة يتطلب معرفة دقيقة بمن هم تحت خط الهشاشة الفعلية، لا الاكتفاء بتقديرات عامة، لأن الخطأ في الاستهداف يعني إهدارًا للموارد وتركًا للفئات الأضعف في الوقت نفسه.

 

وفي هذا الإطار، تبرز أيضًا الحاجة إلى ربط بيانات المعاشات ببيانات الصحة والدعم الاجتماعي والحالة الأسرية، حتى تصبح الدولة قادرة على بناء صورة متكاملة عن كبار السن الأكثر احتياجًا. فالإدارة المجزأة للملف تجعل التدخل أبطأ وأقل تأثيرًا، بينما الأزمة تتفاقم بسرعة أكبر من الإيقاع الإداري المعتاد.

 

صندوق رعاية المسنين وسياسات الحماية تحت الاختبار

 

طلب الإحاطة لم يتوقف عند زيادة الحد الأدنى أو الحصر العددي، بل طالب أيضًا بتفعيل الدور المنوط بـصندوق رعاية المسنين المنشأ بالقانون رقم 19 لسنة 2024، بحيث يقدم دعمًا نقديًا وعينيًا إضافيًا للفئات الأكثر احتياجًا من كبار السن. وهذه النقطة تكشف أن الأزمة لا تحتاج فقط إلى زيادة مالية مباشرة، بل إلى شبكة أوسع من المساندة تشمل الغذاء والدواء والرعاية والخدمات الأساسية.

 

وتفعيل الصندوق في هذا التوقيت يمكن أن يمثل أداة لتقليل أثر التضخم على الفئات الأشد ضعفًا. فالدعم العيني أو النقدي الموجه قد يكون أكثر سرعة وفاعلية في بعض الحالات من انتظار تعديلات هيكلية طويلة على منظومة المعاشات. لكن هذا يظل مرهونًا بوجود آليات واضحة للتنفيذ، ومصادر تمويل مستقرة، وقواعد شفافة لتحديد المستحقين.

 

كما طالب طلب الإحاطة بتوضيح خطة الوزارات المعنية لمواجهة الآثار التضخمية الناتجة عن الحروب وانعكاسها على منظومة الحماية الاجتماعية لأصحاب المعاشات. وهذه المطالبة تعكس إدراكًا أن الملف لا يخص وزارة واحدة، بل يتعلق بتنسيق بين المالية والعمل والتخطيط والتنمية الاقتصادية والهيئة القومية للتأمين الاجتماعي، لأن أثر التضخم على كبار السن يتجاوز حدود رقم المعاش ليصل إلى كلفة العلاج والغذاء والخدمات العامة.

 

ويقول الدكتور أحمد السيد النجار، الخبير الاقتصادي، إن أصحاب المعاشات من أكثر الفئات تعرضًا للضرر في فترات التضخم، لأن دخولهم ثابتة بينما نفقاتهم الأساسية غير قابلة للتأجيل. ويضيف أن الحماية الفعالة لهذه الفئة تحتاج إلى مزيج من زيادة الدخل المباشر، ودعم الخدمات الأساسية، والرقابة على الأسعار، لأن رفع المعاش وحده قد لا يكون كافيًا إذا استمرت موجات الغلاء بلا كبح.

 

وفي ختام طلبها، دعت النائبة إلى إحالة الملف إلى اللجنة المختصة، سواء لجنة القوى العاملة أو لجنة التضامن الاجتماعي، لمناقشته بحضور الوزراء والمسؤولين المعنيين، واتخاذ إجراءات فورية تضمن حياة كريمة لكبار السن. وهذا الطلب يعكس أن القضية لم تعد قابلة للتأجيل، لأن ما يواجهه أصحاب المعاشات اليوم ليس مجرد ضيق مالي عابر، بل أزمة معيشية ممتدة تمس واحدة من أكثر الفئات احتياجًا للحماية والاستقرار.