قُتل تلميذ وأُصيب 11 طفلًا صباح الخميس 5 مارس 2026 في حادث تصادم بين حافلة مدرسية وسيارة نقل بمدينة العاشر من رمضان في محافظة الشرقية. الحادث وقع على طريق بلبيس – العاشر أمام أحد المصانع، حين اصطدمت سيارة نقل بسيارة ميني باص تقل تلاميذ مدرسة خاصة. الواقعة أعادت إلى الواجهة أزمة الحوادث المرورية في مصر، في وقت تقول فيه الحكومة إنها أنفقت مئات المليارات من الجنيهات على مشروعات الطرق والكباري خلال السنوات الأخيرة.

 

تلقت الأجهزة الأمنية بلاغًا من مستشفيات بلبيس والعاشر الجامعي يفيد بوصول 11 طفلًا مصابًا بكدمات وسحجات وكسور متفرقة. وبالانتقال إلى موقع الحادث تبين أن المصابين كانوا داخل حافلة مدرسية تقل عددًا من التلاميذ في طريقهم إلى المدرسة. جرى نقل المصابين إلى المستشفيات لتلقي العلاج، فيما بدأت الجهات المختصة التحقيق في ملابسات التصادم.

 

ووفق البيان الأولي الصادر عن محافظة الشرقية، توفي الطفل م. خ. ع (6 سنوات) متأثرًا بإصابته بكسر في قاع الجمجمة. كما أُصيب 11 طفلًا بإصابات متفاوتة، بينهم حالتان حرجتان لشقيقين: الطفل ع. ص (11 عامًا) المصاب في الفخذ الأيمن، وشقيقته م. ص. ر (8 سنوات) المصابة بجرح في الرأس.

 

الحادث يضاف إلى سلسلة طويلة من حوادث الطرق في مصر، التي ما تزال تحصد آلاف الضحايا سنويًا رغم توسع الدولة في إنشاء الطرق الجديدة.

 

مليارات الطرق… والحوادث لا تتراجع

 

تقول الحكومة إن مصر نفذت خلال السنوات الأخيرة مشروعًا ضخمًا لتطوير شبكة الطرق. ووفق بيانات وزارة النقل، تم إنشاء وتطوير أكثر من 7000 كم من الطرق منذ 2014، بتكلفة تجاوزت 600 مليار جنيه ضمن ما تسميه الدولة “المشروع القومي للطرق”.

 

لكن الأرقام الرسمية تشير إلى أن الحوادث المرورية ما تزال مرتفعة. فبحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، شهدت مصر نحو 56 ألف حادث طريق في 2023 أسفرت عن وفاة أكثر من 5800 شخص وإصابة ما يقرب من 75 ألف مواطن.

 

كما تشير تقارير دولية إلى أن مصر ما تزال من بين الدول التي تسجل معدلات مرتفعة نسبيًا في حوادث الطرق مقارنة بعدد السكان.

 

يقول أستاذ هندسة الطرق بجامعة القاهرة الدكتور حسن علام إن إنشاء طرق جديدة لا يعني بالضرورة انخفاض الحوادث. ويوضح أن السلامة المرورية تعتمد على منظومة كاملة تشمل تصميم الطريق، الإشارات المرورية، مراقبة السرعات، وصيانة المركبات.

 

ويضيف أن بعض الطرق الجديدة قد تكون جيدة من حيث البنية، لكن غياب منظومة متكاملة للسلامة يجعل الحوادث تستمر. ويرى أن الاستثمار في أنظمة الرقابة المرورية والتوعية المرورية لا يقل أهمية عن إنشاء الطرق نفسها.

 

حافلات المدارس… خطر متكرر

 

حادث العاشر من رمضان أعاد أيضًا ملف حافلات المدارس إلى الواجهة. ففي السنوات الأخيرة وقعت عدة حوادث مشابهة أسفرت عن إصابات ووفيات بين الطلاب.

 

في يناير 2024 لقي 3 طلاب مصرعهم وأصيب 17 آخرون في حادث لحافلة مدرسية بمحافظة المنوفية. كما شهدت محافظة الجيزة في نوفمبر 2022 حادثًا مشابهًا أسفر عن إصابة 14 طالبًا بعد انقلاب حافلة مدرسية على الطريق الدائري.

 

يقول خبير السلامة المرورية الدكتور محمود عبد العظيم إن نقل الأطفال يتطلب إجراءات أمان صارمة. ويوضح أن العديد من الدول تفرض سرعة قصوى لا تتجاوز 60 كم/س لحافلات المدارس، إضافة إلى فحص دوري إلزامي للمركبات وتدريب خاص للسائقين.

 

ويضيف أن بعض المدارس في مصر تعتمد على سائقين متعاقدين أو شركات نقل خاصة دون وجود نظام رقابي صارم يضمن الالتزام بمعايير السلامة.

 

ويرى عبد العظيم أن أي خلل بسيط في القيادة أو في حالة المركبة قد يتحول إلى كارثة عندما يتعلق الأمر بحافلة تقل أطفالًا.

 

منظومة نقل تحتاج إصلاحًا أوسع

 

في أعقاب الحادث، توجه محافظ الشرقية حازم الأشموني إلى مستشفى العاشر الجامعي للاطمئنان على حالة المصابين، ووجّه بتقديم الرعاية الطبية اللازمة ومتابعة حالتهم الصحية.

 

لكن خبراء النقل يرون أن التعامل مع الحوادث بعد وقوعها لا يكفي لمنع تكرارها.

 

يقول أستاذ التخطيط العمراني الدكتور خالد زهران إن مشكلة الحوادث في مصر ترتبط بمنظومة النقل بالكامل. ويوضح أن تقليل الحوادث يحتاج إلى تنظيم حركة الشاحنات الثقيلة، تشديد الرقابة المرورية، تطوير النقل العام، وتطبيق عقوبات صارمة على المخالفات الخطرة.

 

ويشير إلى أن الدول التي نجحت في تقليل الحوادث اعتمدت على خطط طويلة المدى تشمل الرقابة الإلكترونية على الطرق، ونظم إدارة المرور الذكية، وتحسين تدريب السائقين.

 

ويضيف أن الاستثمارات الكبيرة في الطرق يجب أن تقابلها سياسات واضحة لخفض الحوادث، وإلا فإن النتائج على الأرض لن تتغير كثيرًا.

 

في النهاية، أضاف حادث العاشر من رمضان اسم طفل جديد إلى قائمة ضحايا الطرق في مصر. طفل خرج صباح 5 مارس 2026 متجهًا إلى مدرسته، لكنه لم يعد. وبينما تستمر التحقيقات في ملابسات الحادث، يبقى السؤال نفسه مطروحًا: كيف يستمر نزيف الطرق في بلد أنفق مئات المليارات على شبكة الطرق، بينما يظل الدم على الأسفلت مشهدًا يتكرر كل يوم؟