كشفت بيانات هيئة الأركان الإيرانية عن رواية مختلفة للأحداث التي شهدتها بعض دول الجوار خلال الأيام الأخيرة، بعد تداول تقارير عن سقوط صواريخ أو طائرات مسيّرة قرب حدود دول إقليمية. طهران نفت بشكل قاطع إطلاق أي صواريخ باتجاه الأراضي التركية، مؤكدة احترامها الكامل لسيادة تركيا باعتبارها دولة صديقة وجارة. وفي المقابل وجهت اتهامًا مباشرًا لإسرائيل بالوقوف خلف حادثة الطائرة المسيّرة التي سقطت في أذربيجان، معتبرة أن الهدف هو تلفيق اتهامات لإيران وجرّ دول المنطقة إلى الحرب.

 

هذه التصريحات تعكس سردية إيرانية متصاعدة ترى أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى توسيع نطاق الحرب عبر خلق حوادث أمنية غامضة تُنسب لطهران، بهدف دفع دول الإقليم إلى الاصطفاف ضدها. وبين رواية طهران والرواية الغربية، تتسع مساحة الشكوك حول ما يسمى بـ “الصواريخ مجهولة المصدر” التي بدأت تظهر في أكثر من ساحة خلال التصعيد العسكري الحالي.

 

طهران تنفي استهداف تركيا وتؤكد احترام سيادتها

 

هيئة الأركان الإيرانية أعلنت بوضوح أنها لم تطلق أي صواريخ باتجاه الأراضي التركية، مؤكدة أن العلاقات بين البلدين تقوم على احترام السيادة وعدم التصعيد. البيان الإيراني شدد على أن طهران لا تسعى إلى فتح جبهات مع دول الجوار، بل ترى أن استقرار المنطقة مصلحة مشتركة.

 

ويأتي هذا النفي بعد تقارير إعلامية تحدثت عن صواريخ أو مسيّرات مجهولة المصدر في بعض المناطق الحدودية. لكن طهران سارعت إلى نفي أي علاقة لها بهذه الحوادث، معتبرة أن نشر مثل هذه الروايات قد يكون جزءًا من حملة إعلامية تستهدف تشويه صورتها.

 

الخبير في العلاقات الدولية الدكتور حسن أبو طالب يرى أن مثل هذه البيانات الإيرانية تهدف إلى منع تشكيل جبهة إقليمية ضد طهران. ويقول إن إيران تدرك أن أي توتر مع دول الجوار قد يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل فرصة لتوسيع الحرب وتحويلها إلى صراع إقليمي واسع.

 

ويضيف أبو طالب أن إيران تحاول منذ بداية الأزمة إرسال رسائل واضحة إلى دول المنطقة بأنها لا تستهدفها، وأن الصراع الحالي يتركز أساسًا مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

 

اتهام مباشر لإسرائيل في حادثة أذربيجان

 

في المقابل، اتهمت هيئة الأركان الإيرانية إسرائيل بشكل صريح بالمسؤولية عن حادثة الطائرة المسيّرة التي سقطت في أذربيجان. واعتبرت طهران أن الهدف من هذه العملية هو اتهام إيران وإظهارها كطرف يهاجم دول الجوار.

 

هذه الرواية تعكس نمطًا من العمليات التي توصف أحيانًا في الأدبيات العسكرية بـ “العمليات المضللة”، حيث تُنفذ هجمات بطريقة توحي بأن جهة أخرى هي المسؤولة عنها.

 

الخبير العسكري اللواء سمير فرج يشير إلى أن الحروب الحديثة تتضمن كثيرًا من العمليات التي يصعب تحديد الجهة المنفذة لها بدقة. ويقول إن بعض هذه العمليات قد يستخدم كوسيلة لإرباك الخصم أو لتغيير مواقف دول أخرى.

 

لكن الرواية الإيرانية تذهب أبعد من ذلك، إذ ترى أن إسرائيل قد تستخدم هذه الأساليب لتوسيع نطاق الحرب وإقناع دول المنطقة بأن إيران تمثل تهديدًا مباشرًا لها.

 

حرب الروايات بين طهران وواشنطن

 

التصعيد العسكري في المنطقة لا يجري فقط عبر الضربات الجوية والصاروخية، بل أيضًا عبر حرب الروايات الإعلامية. فبينما تؤكد الولايات المتحدة وإسرائيل أن عملياتهما تستهدف البنية العسكرية الإيرانية، تقول طهران إن الهدف الحقيقي هو إضعافها سياسيًا وإشعال المنطقة ضدها.

 

الخبير في الشؤون الاستراتيجية الدكتور طارق فهمي يرى أن الحرب الحالية تتضمن جانبًا كبيرًا من الصراع الإعلامي والدعائي. ويقول إن كل طرف يسعى إلى تقديم روايته الخاصة للأحداث بهدف كسب دعم دولي أو إقليمي.

 

لكن فهمي يشير إلى أن استخدام حوادث أمنية غامضة قد يؤدي إلى سوء تقدير خطير من قبل بعض الدول، خاصة إذا اعتقدت أنها أصبحت هدفًا مباشرًا للهجمات.

 

في النهاية، تبقى مسألة الصواريخ والمسيّرات مجهولة المصدر أحد أكثر عناصر الصراع خطورة. فهذه الحوادث قد تُستخدم لتغيير مواقف الدول أو لخلق ذرائع جديدة للتصعيد. وبين الرواية الإيرانية التي تتهم إسرائيل بمحاولة التوريط، والرواية الغربية التي تتهم طهران بالتصعيد، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة حرب المعلومات الدائرة بالتوازي مع الحرب العسكرية على الأرض.