مع توافد آلاف العالقين عليه خلال الأيام الأخيرة، في أعقاب إغلاق مطار بن جوريون إثر اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، أصبح مطار طابا المصري وجهة للراغبين في العودة إلى إسرائيل، ومن ثم اجتياز المعبر الحدودي البري. 

 

وقالت صحيفة "يديعوت إحرنوت"، إن مطار طابا الدولي، الذي يخدم عادةً عددًا قليلاً من رحلات الطيران العارض الأوروبية أصبح بمثابة منفذ خلفي وبديل لمطار بن جوريون في هذه الأيام، بعد أن وجد ما بين 100 ألف و150 ألف إسرائيلي وجدوا أنفسهم عالقين في الخارج دون سبيل للعودة إلى ديارهم. 

 

وأضافت: "يجد المتوافدون إلى الصالة الصغيرة، بدلاً من منطقة السوق الحرة الصاخبة والمألوفة في مطار بن جوريون، موظفين مصريين في قاعة متواضعة. ومن هناك، يتابع المسافرون رحلتهم عبر وسائل نقل منظمة إلى معبر طابا الحدودي، ويعبرونه سيرًا على الأقدام إلى إسرائيل، ومن ثم يعودون إلى ديارهم". 

 

واعتبرت أن هذا الطريق أقصر بكثير من الوصول عبر شرم الشيخ، الذي يُعتبر أكثر خطورة ولا يُنصح به وفقًا لهيئة الأمن القومي.

 

أكثر من 50 عامًا على تأسيس المطار

 

واستعرضت الصحيفة قصة مطار طابا التي بدأت قبل رحلات الإنقاذ المقررة عام 2026 بزمن طويل، وهي متجذرة في صميم الأمن الإسرائيلي، وذلك عندما أنشأت إسرائيل المطار عام 1972، خلال فترة سيطرتها على شبه جزيرة سيناء بعد حرب الأيام الستة، وكان يُعرف آنذاك باسم قاعدة عتصيون الجوية. 

 

وتطلبت طبيعة الموقع الفريدة - ارتفاعه عن سطح البحر بحوالي 750 مترًا - مدرجًا ضخمًا يبلغ طوله قرابة 4000 متر. أصبح هذا المدرج رمزًا تاريخيًا في 7 يونيو 1981، عندما أقلعت منه ثماني طائرات من طراز إف-16 تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي في عملية "أوبرا" لتدمير المفاعل النووي في العراق. 

 

وبعد توقيع معاهدة السلام مع مصر عام 1979، تم إخلاء القاعدة الإسرائيلية في أبريل 1982 وتسليمها إلى المصريين، والذي حوّلوها إلى منشأة مدنية، وأطلقوا عليها في البداية اسم "مطار النقب". إلا أن الصراع الجيوسياسي المحيط بطابا لم ينتهِ عند هذا الحد. فقد ادّعت إسرائيل، استنادًا إلى علامات الحدود الأصلية لعام 1906، أن ساحل طابا تابع لها، بينما أكد المصريون أن إسرائيل نقلت أحجار الحدود التاريخية.

 

ولجأ فريق من 24 خبيرًا مصريًا، من بينهم رسامو خرائط ومؤرخون إلى تحكيم دولي مطول مع إسرائيل بشأن تلك النقطة، إلى أن أصدرت محكمة العدل الدولية في جنيف حكمًا لصالح مصر في سبتمبر 1988. وفي مارس 1989، وصل الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك إلى طابا ورفع العلم المصري هناك.

 

السوق الحرة في نهاية العالم


وفي عام 2000، قررت الحكومة المصرية إعادة إحياء هذا المرفق الصحراوي. أُعيد افتتاحه تحت اسم "مطار طابا الدولي"، واستُبدلت مبانيه الخرسانية العسكرية بمبنى حديث ذي طابع معماري محلي، يجمع بين القباب والأقواس والحجر المحلي بألوان المغرة والطين، مصمم ليُدمج المبنى مع جبال الجرانيت المحيطة به. 

 

وصُمم المطار ليكون بمثابة شريان الحياة لـ"مرتفعات طابا"، وهي مدينة منتجعية مستقلة بُنيت من الصفر تقريبًا على ملايين الأمتار المربعة من الرمال، وتضم بحيرات اصطناعية وملاعب جولف خضراء في قلب الصحراء.

 

لكن الواقع الجيوسياسي فرض سيناريو أكثر قسوة بكثير من الرؤية السياحية المرجوة. فقد ألحقت سلسلة من الأحداث المأساوية، بما فيها هجمات إرهابية عنيفة في عامي 2004 و2014، ضررًا بالغًا بحركة المسافرين. وفي عام 2014، ضربت الطبيعة بقوة، حيث اجتاحت فيضانات عارمة جنوب سيناء، وجرفت أجزاءً من الطرق، وأغلقت تمامًا الوصول إلى الميناء. ونتيجة لذلك، انخفضت الأعداد بشكل حاد: ففي عام واحد فقط، بين عامي 2014 و2015، تراجعت حركة المسافرين بنسبة 67 بالمائة، من حوالي 41 ألف مسافر سنويًا إلى 13 ألف مسافر فقط.

 

واعتبرت الصحيفة أنه ليس من قبيل المصادفة أن يصبح مطار طابا شريان الحياة للطيران الإسرائيلي في مارس 2026. فالوقوف عند نهاية مدرجه الطويل يكشف عن أكثر نقاط التقاء المواقع الجيوسياسية كثافة في الشرق الأوسط. بنظرة خاطفة، يمكنك رؤية أضواء إيلات شمالاً، وظلال جبال أدوم الأردنية شرقًا، وأفق السعودية جنوبًا، والصحراء المصرية الشاسعة التي تحيط بالمطار من كل جانب. 

 

هذا الموقع، على هضبة مرتفعة على ارتفاع حوالي 2400 قدم فوق مستوى سطح البحر، يمنح المطار ميزة هدوء المجال الجوي نسبيًا، بعيدًا عن ازدحام المدن المجاورة.

 

تناقض تقني

 

ويتميز المطار بتناقض تقني. فبينما يُعد مبنى الركاب هيكلاً بسيطًا من طابق واحد ببوابة صعود واحدة وسعة استيعابية تبلغ حوالي 600 مسافر في الساعة، فإن بنيته التحتية الجوية تُشبه تلك الموجودة في مطار كبير. ويسمح المدرج الإسفلتي الرئيس، الذي يمتد على مسافة 4000 متر تقريبًا، بهبوط وإقلاع الطائرات التجارية الثقيلة - وهو ما تبقى من أيامه كقاعدة عسكرية مُصممة للمهام الاستراتيجية.

 

وعلى الرغم من الصورة النمطية السلبية التي رافقت المطار خلال فترة الركود الاقتصادي، فقد استُثمرت فيه موارد تكنولوجية ضخمة على مر السنين. ففي عام 2016، على سبيل المثال، قامت شركة تاليس الفرنسية بتحديث أنظمة إدارة الحركة الجوية والرادار في المطار، مما يُتيح له الآن إدارة حركة الطائرات الكثيفة بأمان في بيئته الجبلية الوعرة. 

 

ومن بين الخرافات التي تُحيط بتشغيل المطار في عام 2026، تلك المتعلقة بالقيود المفروضة على ساعات العمل، فعلى الرغم من الاعتقاد السائد بأن المطار يقتصر على الهبوط النهاري فقط، إلا أن الواقع التقني مختلف تمامًا: فمنذ نوفمبر 2000، تم تجهيز المطار بإضاءة ليلية كاملة، مما جعله قادرًا على العمل على مدار الساعة.

 

وعزت الصحيفة السبب وراء تركيز رحلات الطيران حاليًا خلال ساعات النهار إلى أسباب ليست تقنية، بل لوجستية وأمنية. فالإجراءات الأمنية الصارمة في شبه جزيرة سيناء، والحاجة إلى نقل مئات الركاب بأمان بالحافلات إلى المعبر الحدودي، تستلزم تركيز الرحلات الجوية خلال ساعات النهار.

 

وفي نهاية المطاف، يعمل مطار طابا كبوابة إقليمية بديلة، مكانٌ ينبض بالحياة في لحظات الحاجة المُلحة. فالنقل السريع للركاب من الطائرة إلى الحافلات المُنتظرة عند مدخل الصالة، والرحلة التي تستغرق 45 دقيقة إلى الحدود، كلها جزء من منظومة مُحكمة تجمع بين البنية التحتية المصرية الحديثة واحتياجات الإنقاذ الإسرائيلية. 

 

ويُثبت هذا المطار، الذي عانى من صراعات السيادة وركود السياحة، مرة أخرى أن البنية التحتية التي بُنيت لأغراض الحرب في الشرق الأوسط يُمكن أن تُصبح على الفور أهم جسر مدني في المنطقة.


https://www.ynet.co.il/vacation/flights/article/h1d2yqekwx#google_vignette