الحرب على الوعي: من الصاروخ إلى الخبر العاجل
تطور الصراع بين إسرائيل وإيران من ضربات جوية وحروب ظل إلى مواجهة مفتوحة على جبهة جديدة هي العقول والقلوب، حيث باتت الشائعات والأخبار المتضاربة جزءًا أصيلًا من ميدان المعركة.
في حادثة قصف مبنى مرتبط بمجلس خبراء القيادة في قم، رأينا نموذجًا واضحًا: إعلام إيراني يتحدث عن مبنى مساعد قديم لم يُعقد فيه اجتماع، مقابل تسريبات إسرائيلية تزعم استهداف اجتماع لاختيار المرشد الجديد، في محاولة لرسم صورة اضطراب في قمة هرم السلطة الدينية الإيرانية.
هنا تصبح المعلومة نفسها سلاحًا، إما لطمأنة الداخل أو لزعزعة ثقته في قدرات قيادته.
منطق الشائعة: ضرب المعنويات قبل البنية التحتية
الهدف الجوهري من الشائعات الإسرائيلية الموجهة إلى المجتمع الإيراني هو ضرب المعنويات وتشكيك الناس في جدوى الصمود، حتى قبل إصابة أي منشأة على الأرض.
تقوم هذه الشائعات غالبًا على معادلة مركبة: جزء حقيقي (ضربة حقيقية، انفجار فعلي، قصف موقع حساس) يُضاف إليه تضخيم أو رواية درامية (اجتماع سري، انهيار منظومة الدفاع، خلافات في قمة النظام) لتكبير الأثر النفسي.
مثال ذلك ما حدث في قصف سجن إيفين: الهجوم العسكري كان واقعيًا، لكن الفيديوهات والمنشورات التي سبقت الضربة وأعقبتها صيغت لإيهام الناس بأن انتفاضة على وشك الانفجار، وأن «تحرير السجناء» ممكن إذا تحرك الشارع فورًا، ما يربط القصف العسكري بحلم التغيير الداخلي في أذهان المتلقين.
هكذا تتحول الضربة من حدث عسكري محدود إلى سردية كاملة تُستثمر نفسيًا لخلق شعور بالعجز لدى النظام وبالقوة لدى خصومه.
أدوات إسرائيل: من التسريبات إلى الذكاء الاصطناعي
تستخدم إسرائيل في حرب الشائعات ضد إيران حزمة واسعة من الأدوات، تبدأ من التسريب «المنسوب لمسؤول أمني» وتنتهي بفيديو مُصنَّع بالذكاء الاصطناعي:
-
التسريبات المدروسة: تصريحات لمسؤول إسرائيلي تزعم أن القصف استهدف مجلس الخبراء «وهو مجتمع لاختيار المرشد الجديد»، بما يوجه رسالة إلى الإيرانيين بأن مؤسساتهم الأكثر قدسية مكشوفة ومخترقة.
-
المحتوى الموجَّه بالفارسية: حسابات على منصات مثل X وتلغرام تبث رسائل موجهة مباشرة إلى الجمهور الإيراني، تتحدث عن فشل النظام، وضعف الدفاعات، وقرب الانهيار، أو تروّج لانقسامات داخل النخبة الحاكمة.
-
استخدام الذكاء الاصطناعي: أصوات وصور مُولَّدة آليًا، وشخصيات «إعلامية» رقمية تتحدث بفارسية سلسة، تعيد تدوير روايات نفسية معقدة حول الفساد، والصراع على الخلافة، وحتمية السقوط.
-
إعادة تدوير لقطات قديمة: إدخال صور من حروب سابقة أو حوادث مختلفة، وإعادة تقديمها كأنها من الضربات الأخيرة، بهدف مضاعفة حجم الدمار في وعي المتلقي، حتى لو لم ينعكس ذلك في الواقع.
هذه الأدوات لا تعمل في الفراغ، بل تُبنى على معرفة دقيقة بمزاج الشارع الإيراني وتوتراته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بحيث تضرب الشائعة في أعصاب مكشوفة: الغلاء، والقمع، والخلافة، والهوية الوطنية.
إيران أيضًا ترد… لكن الصورة معقدة
لإنصاف الصورة، لا بد من الاعتراف بأن إسرائيل حققت نجاحات عسكرية حقيقية في السنوات الأخيرة ضد أهداف إيرانية في سوريا وداخل إيران نفسها، سواء في استهداف منشآت عسكرية وأمنية أو شخصيات في الحرس الثوري وحلفائه.
هذه الضربات الواقعية تمنح الشائعات الإسرائيلية أرضية صلبة؛ فالجمهور الذي يرى انفجارات حقيقية يصبح أكثر استعدادًا لتصديق روايات إضافية عن اختراقات أعمق وانهيارات أكبر.
في المقابل، إيران ليست متلقيًا سلبيًا في حرب المعلومات، بل تخوض حملات تضليل موازية تستهدف الجمهور الإسرائيلي، من رسائل نصية بالعبرية إلى فيديوهات مفبركة عن ضرب مطار بن غوريون أو إسقاط طائرات، في محاولة لإحداث صدمة ورعب داخل المجتمع الإسرائيلي.
ومع ذلك، تُظهر بعض الدراسات أن نسبة كبيرة من سيل المعلومات المضللة في جولات الحرب الأخيرة خدمت في النهاية السردية الإيرانية أكثر مما خدمت إسرائيل، ما يعني أن ساحة المعلومات شديدة السيولة، وأن من يبدأ الحرب ليس بالضرورة من يحسمها في الفضاء الرقمي.
في ظل هذا التداخل بين الضربة الحقيقية والرواية المتخيلة، تتحول مهمة المتلقي – سواء في إيران أو خارجها – إلى محاولة شاقة لتمييز ما وقع فعلًا على الأرض وما أُضيف إليه على شاشة الهاتف، بينما تواصل إسرائيل استخدام سلاح الشائعات كجزء من استراتيجية أوسع لكسر ثقة الإيرانيين بأنظمتهم ومؤسساتهم، دون أن يُلغي ذلك حقيقة أن بعض ضرباتها العسكرية مؤلمة وفاعلة على مستوى البنية التحتية والأمنية.
وأخيرًا، تتجاوز محصلة الصراع بين إسرائيل وإيران حدود السماء والصواريخ لتمتد إلى فضاء الوعي والذاكرة والخوف والأمل لدى الإيرانيين أنفسهم.
سلاح الشائعات هنا ليس زينة دعائية، بل مكوِّن أساسي في عقيدة الحرب، يراهن على أن انهيار الثقة بالنظام والمؤسسات قد يحقق ما تعجز عنه الضربات الجوية وحدها.
ومع الاعتراف بأن إسرائيل حققت بالفعل إصابات موجعة في بنى تحتية وأهداف أمنية وعسكرية إيرانية، فإن تضخيم هذه النجاحات عبر تسريبات وروايات درامية يهدف إلى توسيع أثرها من حدود الهدف المقصوف إلى عمق المجتمع.
في المقابل، يبقى وعي الناس وقدرتهم على التحقق، وعدم الانجرار وراء كل خبر عاجل، هو خط الدفاع الأخير أمام هذا النوع من الحرب؛ لأن المعركة في النهاية لا تدور فقط حول من يملك القوة النارية الأكبر، بل أيضًا حول من ينجح في احتلال مخيلة الجمهور وتعريفه لمعنى الهزيمة ومعنى الصمود.

