سورة الفاتحة: لماذا نبدأ بها كل شيء؟

 

ليست سورة الفاتحة افتتاحًا شكليًا للقرآن، ولا مدخلًا سريعًا للصلاة ثم نكمل بعدها ما نريد.

 

الفاتحة هي العتبة.

 

ومن لم يقف عند العتبة…دخل وهو غائب.

 

نقرؤها كثيرًا.. فهل نعيشها؟

 

نقرأ الفاتحة في كل صلاة، وفي كل ركعة، وفي كل يوم ومع ذلك، تمر أحيانًا على القلب كما يمر الهواء…لا يُشعر بثقله، ولا يُغيّر اتجاهه.

 

وهنا السؤال الحقيقي ليس:

 

لماذا نكررها؟

 

بل:

 

لماذا لا تُغيّرنا رغم التكرار؟

 

والإجابة ببساطة هي؛ بسبب طريقة قرائتنا لها، فنحن نكرر الفاتحة ﻷنها ركن في الصلاة، وغالبًا ما نقرؤها باللسان فقط، بينما القلب والعقل مشغولان، فتتحول الآيات إلى عادة، لا إلى رسالة.

 

كثيرون يظنون أن الفاتحة دعاء، لكنها في الحقيقة بناء علاقة.

 

نحن لا نبدأ بطلب، ولا نبدأ بشكوى، ولا نبدأ حتى بأنفسنا.

 

نبدأ بـ: "الحمد لله"، كأن الله يعلّمنا شئ وهو، قبل أن تطلب…تعرّف على من تطلب منه.

 

لماذا يبدأ الطريق بالحمد؟

 

لأن القلب المليء بالضيق لا يحسن الطلب، وﻷن الحمد يهيّئ القلب قبل أن يبدأ الطريق.

 

ولأن من لم يعرف فضل الله، سيطلب وكأنه يطالب…لا كمن يرجو.

 

فقبل أن تطلب، تتذكر من أعطى، وقبل أن تشتكي، تنتبه للنِّعم، فالحمد هنا يوقظ الوعي.

 

الحمد هنا ليس كلمات ثناء، بل تصحيح زاوية النظر.

 

وكأن الرسالة تقول لنا:

 

لا تطلب الهداية وقلبك غافل، ولا تدخل على الله بقائمة مطالب، ادخل عليه أولاً بقلبٍ شاكر.

 

أريد منك أن تكتب – إن استطعت –ثلاث نعم فقط لم تطلبها، لكنها موجودة.

 

لا تبحث عن الكبيرة… ابدأ بما تعيشه الآن.

 

الفاتحة تعيد تعريف الرب

 

حين نقول:ربّ العالمين

 

نحن لا نصف الله فقط، بل نُعيد تعريف:

 

•  من يدبّر؟


  •  من يقود؟


  •  من بيده الأمر؟


كلمة رب تعني: التربية، والرعاية، والتدرّج.

 

أي أن الله لم يتركك في منتصف الطريق، حتى إن شعرت أنك وحدك.

 

الفاتحة: سورة إعادة التوازن

 

الإنسان دائمًا بين طرفين: خوف زائد، أو غفلة زائدة.

 

والفاتحة لا تدفعك لأحدهما، بل تعيدك للمنتصف: رب رحيم، ويوم حساب، وعبودية واعية، وهداية مستمرة.

 

فهي ليست سورة طمأنة فقط، ولا سورة تحذير فقط، بل سورة اتزان.

 

الفاتحة والصلاة: لحظة الكلام الوحيدة

 

في الصلاة:

 

نركع

 

نسجد

 

نسبّح

 

لكن الفاتحة هي اللحظة التي نتكلم فيها نحن.

 

ولهذا لا تُجزئ الصلاة بدونها، لأن الصلاة بلا حوار تكون مجرد حركة.

 

هذا المقال لا يريد منك:

 

تفسيرًا، ولا حفظًا، ولا جهدًا إضافيًا بل يريد منك سؤالًا واحدًا فقط:

 

هل الفاتحة في حياتي بداية…أم أصبحت مجرد عبور؟

 

وأخيراً سورة الفاتحة ليست سورة نقرؤها لنكمل، بل سورة نقرؤها لنبدأ من جديد.

 

وكل مرة نقرؤها بوعي، نُعيد ترتيب:

 

القلب، والنية، والطريق.

 

ولهذا…

 

لم يجعلها الله اختيارية.

 

في المقال القادم ومع أول تدبر للآيات:

 

"بسم الله الرحمن الرحيم"

 

كيف تبدأ الحياة باسم الله، لا باسم العادة…ولا باسم الخوف؟!