د. عبد التواب بركات

كاتب مصري – أستاذ مساعد في مركز البحوث الزراعية بالقاهرة

 

تطالب الدول الصناعية ومنظمة التجارة العالمية بتحرير التجارة الدولية، وتفرض على حكومات الدول النامية قرارات بإلغاء السياسات الحمائية ورسوم الإغراق وتعاقبها، لإزالة الحواجز الجمركية أمام البضائع المستوردة وقوانين حظر الاستيراد والحصص الاستيرادية، ووقف الإعانات الحكومية للمنتجين والمزارعين ومقدمي الخدمات. وتدعي تلك الدول تبنيها قيم وقوانين التجارة الداعمة للشفافية والمنافسة العادلة وحقوق الملكية الفكرية.

 

وفي المقابل، لا تلتزم تلك الدول بقواعد تحرير التجارة التي تدعي تبنيها وتروجها، بل تضرب بها عرض الحائط إذا تعارضت مع مصالح المنتجين والمزارعين والمستهلكين لديها، ولا تتأخر عن تقديم الدعم والإعانات المالية المباشرة، وتنفيذ السياسات الحمائية والرسوم الجمركية ومنع الاستيراد لتحقق لهم ربحًا يشجعهم على الاستمرار في الإنتاج المحلي وتنميته وتحقيق الاكتفاء الذاتي.

 

وبحسب تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، دفع أعضاء المنظمة البالغ عددهم 54 عضوًا 851 مليار دولار إعانات زراعية كل عام من 2020 إلى 2022، بزيادة 2.5 ضعف مقارنة بما كان عليه الوضع قبل عقدين من الزمن. ويقدم هذا الدعم عدد قليل من الاقتصادات الغنية الكبيرة، إذ تمثل الصين 36%، والهند 15%، والولايات المتحدة 14%، والاتحاد الأوروبي 13% من إجمالي الدعم المقدم، ويغطي 25% من قيمة الإنتاج الزراعي في الاتحاد الأوروبي وأكثر من 40% في اليابان، على سبيل المثال.

 

ويقدم الدعم على شكل حوافز سعرية وتدخلات سوقية، وتشمل التعرفات الجمركية، والرسوم، والحصص، والأسعار الثابتة أو أدنى سعر. وتوجه إلى المحاصيل الاستراتيجية، القمح والذرة ولحوم الأبقار والحليب والأرز وقصب السكر.

 

وتؤثر هذه الإعانات سلبيًا على المزارعين في البلدان الفقيرة المحرومين من الإعانات المماثلة، إذ تؤدي إلى انخفاض الأسعار إلى ما دون تكاليف الإنتاج في البلدان منخفضة الدخل. وبالتالي، تُصبح الواردات أكثر جاذبية من الإنتاج المحلي، وتغذي هذه الإعانات الزراعية "السلبية" حلقة الفقر المفرغة في البلدان الفقيرة، وتصبح التجارة سلاحًا جيوسياسيًا، وفق تعبير رئيس مكتب الميزانية في الاتحاد الأوروبي، بيوتر سيرافين.

 

دعم المزارعين في أوروبا

 

في منتصف يناير الماضي، أعلن الاتحاد الأوروبي التوصل إلى اتفاق تجاري مع دول التكتل الأميركي الجنوبي الأربع "ميركوسور"، البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، والذي يؤسس لمنطقة تجارة حرة بينهما. ولإثناء النقابات الزراعية عن معارضة الاتفاقية المستمرة منذ 25 سنة، كشف الاتحاد الأوروبي عن حجم إعانات مالية ضخمة للمزارعين وحواجز جمركية تتعارض مع قواعد منظمة التجارة العالمية، وقواعد التجارة الحرة التي يتبناها الاتحاد الأوروبي حرصًا على مصالح المزارعين وتحقيق السيادة الغذائية.

 

تعهدت المفوضية الأوروبية بتقديم 45 مليار يورو تمويلًا مبكرًا للمزارعين، وصف بأنه دعم غير مسبوق للمجتمعات الريفية الأوروبية، ويهدف إلى تبديد مخاوفهم من منافسة واردات اللحوم الأرخص من دول أميركا الجنوبية. وتضاف هذه الإعانة إلى مبلغ 294 مليار يورو، عبارة عن إعانات للمزارعين خلال ميزانية السنوات السبع المقبلة. وأوصت بإنشاء صندوق طوارئ بقيمة 6.3 مليارات يورو لحماية المزارعين من الصدمات السوقية، مع تأكيد عودة الرسوم الجمركية على واردات "ميركوسور" عن 5%، وصرف إعانات إضافية من ميزانية الاتحاد الأوروبي لتعويض المزارعين عن أي زيادة، وإعفاء الأسمدة المستوردة من الجمارك.

 

وكشف الجدل الدائر في الاتحاد الأوروبي عن إعانات مالية في الموازنة مخصصة للمزارعين بقيمة 387 مليار يورو، وتقترح رئيسة المفوضية، أورسولا فون ديرلاين ورئيس مكتب الميزانية، بيوتر سيرافين طرقًا لإصلاح السياسة الزراعية المشتركة وتعديل بنود إنفاقها، ولكن المقترح يلقى معارضة شديدة من عدة حكومات. هذه الإعانات المباشرة وغير المباشرة تتعارض مع قواعد التجارة الحرة، لكن دول الاتحاد لا تلقي بالًا لذلك، طالما أنها تحقق مصالح المزارع الأوروبي.

 

دعم المزارع الأميركي

 

ورغم تشدق الولايات المتحدة بأنها دولة الرأسمالية والحارس على قيم الشفافية والتنافسية ومحاربة الاحتكار حول العالم، لكن ترامب لم يتردد في انتهاك قواعد التجارة الحرة وقوانين منظمة التجارة العالمية بفرض رسوم تجارية على البضائع الأجنبية وصلت إلى 50% لحماية الصناعة الأميركية من الإغراق ومنافسة المنتجات الأجنبية الأقل سعرًا، وطبق برنامج أمان زراعيًا لدعم المزارعين لتحقيق الاكتفاء الذاتي ودعم المنتجات الزراعية في منافستها لمثيلتها في السوق الدولية كلف الخزانة العامة 40 مليار دولار في سنة 2025.

 

من خلال البرنامج، تقوم الحكومة الفيدرالية بشراء المحاصيل بأسعار مجزية تحقق ربحًا مرضيًا للمزارعين وتوفير البذور والتقاوي والأسمدة والمبيدات الزراعية وتقنيات الري المطور والإرشاد الزراعي بأسعار منخفضة للغاية، والتسويق للمنتجات الأميركية في السوق الدولية.

 

ولدعم سياسة الاكتفاء الذاتي أيضًا، قدم ترامب في بداية العام الحالي حزمة إعانات أولية بقيمة 12 مليار دولار للمزارعين تصرف دفعة واحدة في نهاية فبراير/شباط القادم. وألزم الحكومة برفع سعر شراء المحاصيل الاستراتيجية بنسبة 21% للقمح والذرة وفول الصويا والقطن بدءًا من موسم حصاد 2026.

 

تقدم الهند دعمًا ماليًا مباشرًا لمزارعي المحاصيل الاستراتيجية، الأرز والقمح والبقوليات والبذور الزيتية، وقصب السكر بقيمة 40 مليار دولار. وبلغ الدعم الحكومي الروسي للقطاع الزراعي في عام 2025 نحو 665 مليار روبل. وارتفعت الإعانات المخصصة للقروض الميسرة من 100 مليار إلى 250 مليار روبل. وقدمت الحكومة مبلغًا قياسيًا من القروض الميسرة قصيرة الأجل للمنتجين الزراعيين، بلغ نحو 732 مليار روبل، بزيادة سنوية 15%.

 

ولدعم منتجي الحبوب، القمح والذرة والشعير، تخصص 30 مليار روبل. وتدعم تمويل التأجير التفضيلي للآلات الزراعية بقيمة 13 مليارًا، والمشاريع الزراعية الصغيرة بقيمة 14.5 مليارًا. وبذلك يغطي الدعم الحكومي 50% من تكاليف إنتاج محاصيل الحبوب. هذا يساهم في الحفاظ على معدل الإنتاج الزراعي وتعزيز القدرة التصديرية، فضلًا عن خلق فرص عمل جديدة في المناطق الريفية.

 

أهداف الإعانات الزراعية

 

بفضل الإعانات المالية للمزارعين، تتربع روسيا على عرش مصدري القمح بحوالي 44 مليون طن، يليها الاتحاد الأوروبي بحوالي 33 مليون طن، ثم الولايات المتحدة 24 مليون طن. هذه الكيانات الثلاثة تتحكم في 50% من القمح المتاح في السوق الدولية. وتتربع الولايات المتحدة على عرش صادرات الذرة الصفراء بحوالي 85 مليون طن، وتتحكم في 35% من المتاح في السوق الدولية. وتتصدر الهند مصدري الأرز بنحو 25 مليون طن، وتتحكم في 40% من تجارة الأرز الدولية. وما كان هذا الإنجاز ليتحقق لولا دعم المزارعين بالإعانات المالية السخية.

 

هذه الدول يمكن أن تتسبب في مجاعات حول العالم، إذا أوقفت تصدير منتجاتها الغذائية لأي سبب، سياسي كما حدث بعد حرب أكتوبر سنة 1973 وحرب روسيا على أوكرانيا في 2022، أو بيئي ناتج عن الجفاف والحرائق، كما حدث في موجة الجفاف في أوروبا سنة 2010. ولا تحرك منظمة التجارة العالمية ساكنًا تجاه التلاعب بالسياسات الزراعية ومحاولات السيطرة على تجارة الأغذية الدولية. وكثيرًا ما طالبت دول أفريقية وآسيوية منظمة التجارة بإنهاء سياسات الدعم في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند والصين التي تعرض مزارعي تلك الدول لخسائر سنوية تقدر بالمليارات، ولكن دون جدوى.

 

دروس الإعانات الزراعية

 

الإعانات التي يقدمها الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرهما للمزارعين، تعطي الدروس البالغة لحكومات التبعية الغذائية التي تفرط في الأمن الغذائي، أحد أهم دعائم الأمن القومي. أولها، قيمة الدعم المالي الضخم وغير المسبوق الذي تقدمه الحكومات لمزارعيها دون تحفظ أو اعتبار لقواعد التجارة الدولية. والثاني، تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، بإعانة المزارعين لتمكينهم من زيادة الإنتاج المحلي من القمح والأرز والقطن والبنجر وقصب السكر وفول الصويا والذرة والصويا.

 

والثالث، وضع القمح على رأس المحاصيل التي تستحوذ على أكثر من ثلاثة أرباع ميزانية الإعانات الزراعية، مع الذرة وفول الصويا. والرابع، قصر الدعم على المحاصيل الاستراتيجية وحرمان المحاصيل البستانية، الخضر والفاكهة، والسلع غير الأساسية والهامشية، مثل الفراولة والكنتالوب والتفاح والعنب والموز، من الدعم السخي، وهي المحاصيل التي تشجع الحكومات المتخلفة على التوسع في زراعتها، على حساب المحاصيل الاستراتيجية، بحجة أنها محاصيل نقدية لا تستهلك المياه، ويتم تصديرها، وبحصيلة عوائدها، يتم استيراد السلع الأساسية شرهة استهلاك المياه، وهي ادعاءات فارغة، لا تمت بصلة لعلم المحاصيل والاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والسياسي.

 

دروس للحكومات العربية التي تحرم المزارعين من الإعانات الزراعية، وترفض وتجرم التوسع في زراعة القمح والأرز والذرة، وتتباهى بتحقيق فائض في إنتاج الفراولة والعنب والكنتالوب والموز والطماطم، ولا تعترف بفشل سياسات التوسع في تلك المحاصيل الهامشية، رغم هدر 35% من إنتاجها، بسبب تخلف خدمات ما بعد الحصاد، وسلاسل النقل والتخزين والتداول، وندرة الأسواق التصديرية التي تستوعب هذا الإنتاج الهامشي غير المخطط.

 

وما زالت الحكومات العربية تتوسع في زراعتها رغم أننا لم نسمع يومًا عن أزمة في الفراولة أو العنب أو الموز في دول الشرق أو الغرب، على حساب القمح والأرز والذرة، مع تكرار أزمات القمح والزيوت واللحوم، وتستورد 55% من احتياجات الأرز، و77% من السكر، و65% من زيوت الطعام، و55% من الفول والعدس والبقوليات، و70% من الذرة، و74% من الشعير، وفق التقرير السنوي لأوضاع الأمن الغذائي العربي الصادر عن المنظمة العربية للتنمية الزراعية.