منذ 2013، تحوّل موسم دراما رمضان إلى منصة شبه ثابتة لإعادة إنتاج رواية سياسية واحدة: شيطنة جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها المصدر الحصري لكل اضطراب أو أزمة، في مقابل تقديم الأجهزة الأمنية كـ"البطل المنقذ" الذي يحمي الدولة من الانهيار، مع استخدام أدوات الإنتاج الضخمة وقنوات احتكرتها فعليًا أجهزة سيادية بعد إعادة هيكلة السوق الإعلامية لصالح "الشركة المتحدة" ومن يقف وراءها.

 

دراما بأمر الأجهزة.. من "الاختيار" إلى "رأس الأفعى" وتثبيت شماعة واحدة لكل أزمة

 

مسلسل "رأس الأفعى" يأتي امتدادًا لخط طويل من الأعمال التي وثّقها تقرير لموقع EgyptWatch حول "الاختيار 3" وغيره، باعتبارها "دعاية دولة" صريحة، تُنتج بتعاون مباشر مع الشؤون المعنوية والمخابرات العامة، بهدف تمجيد الجيش والشرطة وتجريم الخصوم السياسيين، وعلى رأسهم الإخوان، عبر انتقاء وقائع وتجاهل أخرى، وعرض "تسريبات" ومشاهد لقاءات أحادية الصوت، طرفها الآخر إما في السجن أو ميت، بلا حق للرد أو الدفاع.

 

في "رأس الأفعى"، تُقدَّم شخصية د. محمود عزت كنموذج للزعيم "الإرهابي الخفي" الذي يمتلك لجنة منظمة لافتعال الأزمات، من تخزين الدولار وخلق شح مصطنع، إلى تعطيل الطرق وتخريب المرافق العامة، مع تحميله – ومن ورائه الجماعة – مسؤولية كل ما شهدته مصر من اضطراب اقتصادي وأمني منذ ثورة يناير وحتى اليوم، في تكرار لما وصفته مجلة "الإيكونوميست" عام 2019 بأنه "استخدام الإخوان ككبش فداء مفضل" لتحميلهم مسؤولية كوارث مزمنة، مثل حوادث السكك الحديدية المتكررة، التي تعود في الواقع إلى عقود من الإهمال وسوء الإدارة.

 

تقرير EgyptWatch نقل عن الخبير الإعلامي علي عبدالعليم وصفه لهذه النوعية من الأعمال بأنها "دعاية خالصة" تذكّر بممارسات أنظمة شمولية، منتقدًا استخدام الدراما لمعالجة صراع سياسي داخلي جارٍ، لأن ذلك ينتهي عمليًا إلى انتهاك حقوق المعارضة عبر التشهير، خاصة أن الشخصيات المستهدفة – مثل قادة الإخوان – إما قيد الحبس الاحتياطي أو أحكام قضائية مثيرة للجدل، محرومون من حق الرد، بينما تُستخدم شاشات رمضان لتثبيت صورة واحدة في وعي ملايين المشاهدين.

 

سردية "لجنة افتعال الأزمات" تصطدم باقتصاد منهار بقرارات رسمية لا بخلايا سرية

 

السردية التي يتبناها "رأس الأفعى" حول لجنة سرية لإغراق البلاد في الفوضى تتجاهل معطيات أساسية وثقتها مؤسسات مالية دولية؛ فالأزمات الاقتصادية الكبرى التي عصفت بالبلاد خلال السنوات الماضية مرتبطة بسياسات معلنة: ديون خارجية تجاوزت 160 مليار دولار، توسع في مشروعات رأسمالية مثيرة للجدل مثل العاصمة الإدارية ومدينة العلمين، تضخم قياسي، تعويمات متكررة للجنيه أفقرت الطبقة الوسطى، واعتماد على الأموال الساخنة وصفقات بيع أصول لسد فجوات التمويل.

 

تقرير صندوق النقد الدولي لعام 2025 يربط بين هذه السياسات وبين اتساع عجز الحساب الجاري وارتفاع أعباء خدمة الدين، محذرًا من حساسية الوضع لأي صدمة خارجية، دون أي إشارة – بطبيعة الحال – إلى دور "خلايا إخوانية" أو "لجان عملات"؛ فالقرارات التي قادت إلى هذه النتائج صدرت عن السلطة التنفيذية ومؤسساتها الاقتصادية، ومرّت عبر برلمان موالٍ، وأُعلنت على الملأ، ما يجعل محاولة نسبتها في الدراما إلى "رأس أفعى" في السجن نوعًا من الهروب من المسؤولية أكثر منه قراءة فنية للواقع.

 

مجلة "الإيكونوميست" كانت قد لخصت هذا المنطق مبكرًا حين أشارت إلى أن "الحكومة المصرية تجد في الإخوان شمّاعة جاهزة" لتعليق فشلها؛ فكل حادث أو أزمة – من حريق قطار إلى أزمة خبز – يمكن، في خطاب الإعلام الرسمي، نسبته إلى "مخططات الجماعة"، بدل الاعتراف بفساد عميق وسوء تخطيط، وهو بالضبط ما يعيد "رأس الأفعى" تدويره في قالب درامي أكثر تشويقًا، لكن بنفس البنية التفسيرية الكسولة.

 

الخبير السياسي يزيد صايغ، في تحليله لمسار الإخوان وفشلهم السياسي، يعترف بمسؤولية الجماعة عن أخطاء جسيمة أثناء فترة حكمها القصيرة، لكنه يذكّر بأن عزل محمد مرسي حدث قبل أن تُمنح أي فرصة لمعالجة أزمات الاقتصاد الهيكلية، وأن السلطة الحالية، التي تحكم منذ أكثر من 10 سنوات، تتحمل كامل المسؤولية عن موجات التضخم، وبيع الأصول، وإفقار ملايين المصريين، ما يجعل استمرار استخدام "الخطر الإخواني" لتبرير كل تعثر اقتصادي بعد عقد من الإقصاء والسجن مجرد دعاية سياسية، لا تحليلًا موضوعيًا.

 

بين ذاكرة رقمية لا تُمحى وواقع معيشي خانق.. الدراما تفشل في إقناع شارع يرى من يدفع الفاتورة

 

في زمن الأرشيف الرقمي، يصعب على أي عمل درامي أن يفرض رواية أحادية دون أن تُقارَن بما عاشه الناس فعليًا؛ فالمصريون شاهدوا بأعينهم موجات ارتفاع الأسعار بعد كل تعويم، وسمعوا تصريحات رسمية عن "استحالة تخفيض الدين"، وعايشوا تقليص الدعم، وتعطيل خدمات عامة، وتفاقم الفقر إلى أكثر من 30% وفق أرقام رسمية قبل التوقف عن نشر البيانات التفصيلية، وكل ذلك في غياب كامل للإخوان عن المجال العام، بعد تفكيك بنيتهم التنظيمية وملاحقة كوادرهم.

 

من هنا تأتي الأسئلة المنطقية التي يطرحها النص: إذا كان محمود عزت – المعتقل منذ 2020 – هو "المحرك الخفي للأزمات"، لماذا لم يتحسن الاقتصاد بعد القبض عليه؟ ولماذا توالت التعويمات، وتعمق العجز، وتراجعت قيمة الجنيه إلى مستويات غير مسبوقة؟ وإذا كانت الجماعة تملك تنظيمًا مسلحًا واسع النفوذ كما تصور الدراما، أين تجلى هذا "النفوذ" عند اعتقال قيادات الصف الأول والثاني؟ ولماذا لم نشهد موجات مقاومة مسلحة طويلة الأمد كالتي يفترضها المسلسل؟

 

دراسات لمراكز مثل SWP الألماني وCarnegie عن فشل الإخوان تشير إلى أن الجماعة، رغم عيوبها البنيوية، لم تكن تمتلك سيطرة على مؤسسات الدولة العميقة، وأن خطاب "الخلايا التي تتحكم في كل شيء" أقرب إلى مبالغة تخدم استراتيجيات التخويف، لا قراءة واقعية لحجمها بعد 2013، خاصة وأن التقارير الدولية عن حقوق الإنسان توثق أن آلافًا من كوادرها بين قتيل ومعتقل ومنفي، ما يجعل تصويرهم في 2026 كقوة قادرة على تحريك سوق الصرف والديون نوعًا من السردية المتخيلة أكثر منه استنادًا إلى معطيات فعلية.

 

الخبير الإعلامي علي عبدالعليم حذّر في سياق نقده لـ"الاختيار" من أن تعاطي الدولة مع الخلاف السياسي عبر الدراما، بدل الحوار والمؤسسات، يحوّل المسلسلات إلى "محاكم تلفزيونية" تُصدر أحكامًا غيابية على خصوم معزولين، وتؤثر في القضاء والرأي العام في آن واحد، مشيرًا إلى أن المتهمين الذين يُشيطنون في الأعمال إما قيد المحاكمة أو لم تُثبت ضدهم كل الاتهامات التي تلوكها الدراما، ما يعني انتهاكًا لمعايير المحاكمة العادلة واستخدام الفن كأداة سلطة لا كمساحة نقاش حر.

 

رأس الأفعى ليس في السجن.. بل في منظومة حكم تُنتج الأزمات ثم تبحث عن شماعة

 

في النهاية، يكشف "رأس الأفعى" عن معادلة مقلوبة: بدل طرح سؤال "من قرر الاقتراض بهذا الحجم؟ من بنى مشروعات لا عائد حقيقي لها؟ من سمح بتمدد مؤسسات لا تخضع لرقابة في قلب الاقتصاد؟" يقدّم المسلسل إجابة جاهزة: "كل ذلك فعله رجل في الثمانين من عمره، في زنزانة انفرادية، اسمه محمود عزت"، في قفز على حقائق السلطة والمسؤولية، وتجميل لنظام حكم يملك – وحده – القرار في الاقتصاد والأمن والإعلام منذ عقد.

 

تقارير دولية من صندوق النقد والبنك الدولي ومراكز بحث غربية وعربية تتفق على أن أزمات مصر الاقتصادية اليوم هي نتاج خيارات سياسية واقتصادية اتخذتها السلطة الحالية: نموذج نمو يقوده الاستثمار في عقارات وبنية فوقية لصالح نخبة ضيقة، توسع في دور المؤسسة العسكرية اقتصادياً، تضييق على القطاع الخاص المستقل، قمع للحريات السياسية والنقابية، واستخدام ملف "مكافحة الإرهاب" لتبرير كل ذلك، في حين تُستخدم دراما رمضان لتثبيت صورة مختلفة في أذهان الجمهور.

 

المواطن في النهاية لا يحكم بناء على ما يراه في "Watch It" أو "DMC"، بل على ما يراه في الأسعار، وفرص العمل، وجودة الخدمات، ومساحة الكلام المتاحة بلا خوف؛ وحين يرى أن الأزمات تتكرر، وأن الخطاب الدعائي لا يتغير، وأن "رأس الأفعى" الذي يلدغ يوميًا قدرته على العيش بكرامة ليس تنظيمًا سياسيًا غائبًا عن المشهد، بل منظومة حكم تمسك بكل الخيوط وتصر على تعليق الفشل على شماعة واحدة، يدرك أين يوجد السم الحقيقي، وأين يوجد رأسه.