مصطفى عبد السلام
رئيس قسم الاقتصاد في موقع وصحيفة "العربي الجديد"
عقب تشكيل الحكومة المصرية الجديدة برئاسة مصطفى مدبولي كنا نتوقع أن تخرج علينا بإعلان تصور متكامل لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة في مصر، وأن تعترف بأن حل تلك الأزمة يبدأ من احتواء الأزمة السياسية أولاً، ووضع حد لحالة الانقسام المجتمعي الحادة التي تمر بها البلاد منذ العام 2013، وتعترف أيضاً بأنّ مشاركة المصريين الحقيقية في صناعة القرار ودعم الرقابة المجتمعية والمؤسسية على المال العام والشفافية أحد أركان حل الأزمة الأولى، وأنه لا حل لأزمات الاقتصاد في ظل انقسام حاد داخل المجتمع زادت مدته على العقد، وتفشي الفساد، وخنق المناخ العام، وتقييد الحريات والصحافة، وتوغل الاحتكارات، وعسكرة الاقتصاد، وخضوع القرار الاقتصادي للخارج، والتفريط في أصول الدولة، والإفراط في فرض الضرائب وزيادة الرسوم بمستويات قياسية، والاعتماد على جيب المواطن المخروم أصلاً في تمويل الموازنة، واستخدام القبضة الحديدة في معالجة بعض الأزمات المعيشية والمالية كما جرى مع أزمة العملة والسوق السوداء وغيرها.
كان المواطنون يترقبون إعطاء الحكومة المصرية أولوية لملفات حيوية، الأول إيجاد حلّ جذري لموجات التضخم وقفزات الأسعار التي تدهس ملايين المصريين منذ سنوات طويلة، وتسببت في تهاوي العملة المحلية وتعويمها أكثر من مرة في غضون سنوات قليلة، والقذف بملايين الأسر في أتون الفقر والجوع والحرمان، وإشعال فتيل الغلاء، وارباك السياسة النقدية والقطاع الخاص ومناخ الاستثمار وغيرها. يدعم حل هذا الملف المزمن تراجع أسعار السلع في الأسواق الدولية بما فيها الأغذية ومشتقات الطاقة والتي تعتمد عليها الحكومة في تموين نحو 70% من احتياجات الأسواق.
الملف الثاني يتعلق بزيادة الدين العام لمستويات غير مسبوقة سواء الخارجي أو الداخلي، وما أسفر عنه من نتائج سياسية ومالية ومجتمعية خطيرة، منها التهام أعباء الدين لموارد الدولة ومنها الضرائب، وتحميل المواطن سداد تلك الأعباء، والتوسع المفرط في الاقتراض لسداد ديون مستحقة، وتعميق عجز الموازنة العامة المفرط، والخضوع للدائنين الدوليين وفي المقدمة صندوق النقد الدولي، والإذعان المستمر لمطالبهم المذلة وفي مقدمتها زيادة أسعار السلع وخفض الدعم بكافة أشكاله، وخفض مخصصات قطاعات حيوية، وعدم الاهتمام بخدمات حيوية مثل الصحة والتعليم والسكن الاجتماعي.
الملف الثالث يتعلق بتحصين الاقتصاد المصري ضد المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية بخاصة الخارجية، لكي لا تكون قناة السويس مثلاً عرضة لتلك المخاطر المتواصلة، وألا يكون قطاع السياحة الحيوي عرضة لأزمات حروب المنطقة، وألا تعتمد الحكومة على الغاز الإسرائيلي في تغذية المصانع الكبرى وشركات توليد الكهرباء والمحال التجارية والمنازل.
الملف الرابع يتعلق بالإنتاج والصناعة والزراعة وزيادة الصادرات، وإعطاء أهمية قصوى للمجالات الواعدة مثل الطاقة المتجددة وصناعات التقنية والبرمجيات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والأغذية والسيارات والأدوية، والاهتمام كذلك بتنشيط تلك الأنشطة المدرة للنقد الأجنبي، مع وضع خطة لزيادة إيرادات الدولة الدولارية لزيادة القدرة على سداد الفواتير الخارجية من أعباء الواردات والديون وغيرها.
ببساطة، كان الرأي العام يتطلع لأن تخرج علينا تلك الحكومة المصرية بتصريحات وخطط حاسمة تؤكد أنها ستعطي أولوية لملف العدالة الاجتماعية من مكافحة الفقر والبطالة وتحسين الرواتب والدخول وتوفير فرص عمل لملايين العاطلين، وأن تعطي أولوية للصناعات التي تلبي احتياجات الأسواق المحلية.
لكن ما جرى هو التركيز على ملف شبه وحيد وهو التوسع في سياسة بيع أصول الدولة، شركات وأراضي للمستثمرين الأجانب، وتنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، والتوسع في نقل بعض تلك الأصول إلى الصندوق السيادي الذي لا يعرف أغلب المصريين عنه شيئاً، وما تبع ذلك من تصريحات حكومية حول تسريع بيع تلك الأصول للحصول على قروض إضافية من صندوق النقد الدولي، وإلغاء وزارة قطاع الأعمال، وحصر الأراضي غير المستغلة على ضفاف النيل وتقييمها تمهيداً لطرحها للبيع على المستثمرين.

