بدأت وزارة التموين والتجارة الداخلية، اعتبارًا من اليوم الثلاثاء، صرف منحة الدعم الإضافي على البطاقات التموينية ضمن حزمة الحماية الاجتماعية المقررة قبل شهر رمضان. لكن اليوم الأول لم يمر بسلاسة. ظهرت حالة ارتباك في منافذ ومخازن، مع شكاوى من عدم وصول السلع إلى عدد من المخازن حتى الآن، وغياب الضوابط النهائية المنظمة للصرف.
صرف يبدأ قبل اكتمال التجهيز.. ومخازن بلا سلع وضوابط معلنة
مصدر باتحاد الغرف التجارية قال إن التطبيق “من المفترض” أن يبدأ اليوم. لكنه أقر بأن البضائع لم تصل بعد إلى المخازن بشكل كامل. والأهم أن آليات الصرف لم تُحسم بصورة واضحة ونهائية. الغموض يشمل كيفية تقسيم مبلغ الـ400 جنيه بين السلع، وهل سيجري تحديد كميات بعينها، أم يكون الصرف مفتوحًا دون قيود سوى سقف القيمة المالية.
هذا الارتباك يضع التاجر والمواطن في مواجهة مباشرة مع أسئلة بلا إجابات. هل تُصرف سلع محددة بكميات ثابتة؟ أم تُترك الاختيارات مفتوحة داخل حدود المنحة؟ المصدر نفسه أشار إلى أن المخصصات المالية تم إقرارها، لكن المخازن على مستوى الجمهورية لم تصبح جاهزة بعد لصرف “منتظم وسلس”، وأن الجهات المعنية ما زالت تصوغ الضوابط تمهيدًا لإعلانها.
يرى أحمد الوكيل، رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية، أن أي تدخل حكومي في ملف السلع يحتاج تنسيقًا مبكرًا مع سلاسل الإمداد والتجار حتى لا تتحول القرارات إلى ارتباك تنفيذي. منظور الوكيل يرتبط بدور الاتحاد كحلقة وصل بين الحكومة والتجارة الداخلية، وهو دور يبرز أكثر عندما تكون القرارات مرتبطة بصرف سلع مدعمة في توقيت شديد الحساسية.
المصدر أكد أن التواصل لا يزال جاريًا بشأن الضوابط المنظمة. وقال إن الإعلان الرسمي سيأتي فور الانتهاء من الصياغة، لكي يتمكن التجار من التطبيق وإبلاغ المواطنين بآلية الصرف بشكل واضح. لكنه استدعى تجربة العام الماضي بوصفها مؤشرًا غير مريح، إذ تكررت المشكلة ذاتها حين تأخر توريد السلع المقررة ضمن الدعم الإضافي نحو 15 يومًا بعد الإعلان الرسمي عن بدء الصرف.
400 جنيه بين “حرية الاختيار” وقيود الكميات: سؤال العدالة قبل السؤال الإداري
جوهر الأزمة في اليوم الأول ليس نقص السلع فقط، بل غياب قواعد موحدة تُلزم الجميع. من دون ضوابط نهائية، قد تختلف التجربة من منفذ لآخر، وقد تتباين القرارات بين مخزن وآخر. المواطن يبحث عن حقه في المنحة. التاجر يبحث عن قاعدة عمل تُجنّبه الاشتباك اليومي. والوزارة تصبح أمام اختبار مباشر لقدرتها على ضبط التنفيذ، لا الاكتفاء بإقرار المخصصات.
يرى الدكتور مدحت نافع، الخبير الاقتصادي، أن منظومات الدعم تفقد جزءًا كبيرًا من فعاليتها عندما تختلط الأهداف بالآليات، أو عندما يتأخر التنفيذ عن الإعلان. ويشير في نقاشات عامة حول الدعم إلى ضرورة تعريف هدف الدعم أولًا، ثم بناء آلية صرف تقلل الهدر وتُحسن وصول الدعم لمستحقيه، لأن التضخم يمكن أن يلتهم الأثر الحقيقي لأي زيادة إذا لم تُدار المنظومة بكفاءة.
في هذا السياق، يصبح مبلغ الـ400 جنيه سؤالًا مزدوجًا. كيف تُترجم إلى سلع محددة بالفعل؟ وكيف تُضمن العدالة بين الأسر إذا اختلفت القواعد أو توفرت سلع في مخازن وغابت في أخرى؟ غياب الوضوح لا يخلق فقط مشاهد زحام أو شكاوى، بل يفتح الباب لتأويلات واسعة حول حدود الحق وحدود المتاح، وهو ما يضاعف الضغط قبل رمضان بدل تخفيفه.
ويرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن وضوح قواعد الدعم، أياً كانت صورته، شرط أساسي لتهدئة السوق وتجنب القفزات العشوائية في الطلب. توفيق تحدث من قبل عن ملاءمة الدعم النقدي من زاوية “الحراك في السوق”، لكن حتى الدعم العيني يحتاج قواعد شفافة حتى لا يتحول إلى حالة من التوتر بين منفذ ومستهلك، خصوصًا عندما يكون التوقيت ضيقًا والاحتياج مرتفعًا.
حزمة حماية اجتماعية قبل رمضان.. وأهداف معلنة تصطدم بعقبة التنفيذ
المنحة تأتي، وفق النص، ضمن حزمة حماية اجتماعية موجهة للأسر الأكثر احتياجًا، وتُصرف بالتوازي مع الدعم التمويني الشهري المعتاد. الهدف المعلن واضح: تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي، وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين قبل رمضان. الدولة تريد دعم الفئات الأولى بالرعاية، وضمان توفير السلع الأساسية بأسعار مدعمة، بما يساهم في قدر من الاستقرار المعيشي للأسر المستفيدة.
لكن الفجوة بين الهدف والتنفيذ تظهر فور بدء الصرف. عندما لا تصل السلع إلى مخازن بعينها، أو عندما لا تُعلن الضوابط النهائية من البداية، يصبح الضغط واقعًا على المواطن لا على الورق فقط. ويتحول الدعم من رسالة طمأنة إلى تجربة مرتبكة تتوسع بالأسئلة اليومية، وتضطر المواطن للعودة أكثر من مرة، أو البحث عن منفذ آخر، أو انتظار اتضاح القواعد.
وبحسب التفاصيل المعلنة في النص، تشمل منحة التموين الإضافية لعام 2026 سلعًا وأسعارًا محددة: صرف 4 كيلو سكر بسعر 28 جنيهًا للكيلو، و3 كيلو أرز بسعر 24 جنيهًا للكيلو. وتشمل أيضًا 3 عبوات زيت، إما زنة 700 مللي بسعر 48 جنيهًا للعبوة أو زنة 800 مللي بسعر 54 جنيهًا للعبوة، فضلًا عن 6 عبوات مكرونة زنة 350 جرام بسعر 8.5 جنيه للعبوة.
هذه القائمة تمنح صورة لما يُفترض أن يصل للمخازن وما يُفترض أن يجده المواطن. لكنها في اليوم الأول ظلت جزءًا من “المعلن” لا من “المتاح” في كل مكان، وفق ما كشفه المصدر عن عدم اكتمال التوريد. وبين قائمة أسعار واضحة وضوابط صرف غير مكتملة، تبقى النتيجة معلقة: منحة بدأت رسميًا، لكنها لم تبدأ فعليًا بالوتيرة نفسها في كل المحافظات، وهي ثغرة تتكرر إذا لم تُحسم مبكرًا قواعد التوريد وآليات الصرف.

