تتزايد حدة خطاب رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد حول الوصول إلى البحر الأحمر، مع حديثه المتكرر عن أن حصول بلاده على منفذ بحري «مسألة وجود» و«حق تاريخي وقانوني»، في وقت تراه فيه القاهرة تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، إلى جانب ملف النيل وسد النهضة.
تصريحات آبي أحمد، التي لوّح فيها باحتمال المواجهة إذا جرى منعه من «حقه» في البحر الأحمر، تُقرأ في مصر والقرن الأفريقي كتصعيد جديد يفتح جبهة توتر إضافية في إقليم مأزوم أصلًا.
بالتوازي، يواصل وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التأكيد على أن أمن البحر الأحمر شأن حصري للدول المطلة عليه، وأن أي ترتيبات تمس سيادة الصومال أو تعطي إثيوبيا موطئ قدم عسكري على الساحل تعد «غير مقبولة» من منظور القانون الدولي والأمن الإقليمي. هذا التباين الصارخ بين خطاب أديس أبابا والقاهرة يعمّق المخاوف من انتقال الصراع من مياه النيل إلى مياه البحر الأحمر.
طموح بحري يتحول إلى لغة تهديد
منذ خسارة إثيوبيا منفذها البحري بعد استقلال إريتريا عام 1993، اعتمدت أديس أبابا على ميناء جيبوتي لنحو 95% من تجارتها الخارجية، ما جعلها أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان. لكن مع وصول آبي أحمد إلى السلطة، تحوّل هذا الوضع إلى محور لخطاب سياسي حاد، ربط فيه بين «تصحيح خطأ تاريخي» وبين إعادة تعريف حدود الأمن القومي الإثيوبي.
في خطابات متكررة، وصف آبي أحمد الوصول إلى البحر بأنه «مسألة قانونية وتاريخية وجغرافية واقتصادية» لا تستبعد سيناريوهات المواجهة، في حال لم تُمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا «منصفًا». هذه اللغة، التي تقرن «حق أصيل» مزعوم بإمكانية استخدام القوة، تثير قلقًا مضاعفًا في القاهرة والخرطوم ومقديشو وعواصم أخرى مطلة على البحر الأحمر.
السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية، يرى أن الطموح البحري الإثيوبي بصيغته الحالية «لا يمكن فصله عن مشروع إقليمي للهيمنة»، محذرًا من أن أي وجود إثيوبي عسكري أو شبه عسكري على سواحل البحر الأحمر «يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والعربي – الأفريقي»، خصوصًا إذا ارتبط بترتيبات غير شرعية مع كيانات انفصالية مثل أرض الصومال.
ويشير الدكتور هاني رسلان، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، إلى نمط ثابت في السلوك الإثيوبي يقوم على «فرض الأمر الواقع» في ملفات المياه والحدود، من سد النهضة إلى النزاع مع السودان، معتبرًا أن محاولة ربط ملف البحر الأحمر بمنظور «الحق التاريخي» امتداد لنفس المقاربة التي استخدمت في ملف النيل.
رد مصري متشدد وحدود القانون الدولي
في المقابل، تتحرك الدبلوماسية المصرية لرسم خطوط حمراء واضحة. وزير الخارجية بدر عبد العاطي شدد في أكثر من مناسبة على أن أمن البحر الأحمر «ملف سيادي للدول المطلة فقط»، وأن أي ترتيبات تمنح إثيوبيا وجودًا عسكريًا أو سياديًا على السواحل الصومالية تمثل انتهاكًا لسيادة الصومال ولقواعد القانون الدولي.
من زاوية قانونية، يوضح الدكتور أيمن سلامة، أستاذ القانون الدولي العام الراحل، أن وضع الدول الحبيسة منظم في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تعطيها حقوق عبور تجاري واتفاقات ثنائية للوصول إلى الموانئ، لكنها لا تمنحها بأي حال «حقًا ذاتيًا» في اقتطاع أراضي دول أخرى أو فرض وجود عسكري على سواحلها.
ويشبّه سلامة تصريحات إثيوبية سابقة عن بناء سدود جديدة بأنها «أعمال عدائية» عندما تقترن بتهديد مصالح دول أخرى في المياه الدولية أو الأنهار المشتركة، وهي قاعدة يمكن إسقاطها على ملف البحر الأحمر.
هذا التفسير يتقاطع مع تقييمات مراكز بحث مصرية وإقليمية ترى أن مذكرة التفاهم التي وقّعتها أديس أبابا مع سلطات «أرض الصومال» عام 2024 لمنح إثيوبيا قاعدة بحرية على امتداد نحو 20 كيلومترًا من الساحل مقابل اعتراف سياسي، تمثل خرقًا صريحًا لسيادة الدولة الصومالية وميثاق الاتحاد الأفريقي الذي يحظر المساس بالحدود المعترف بها دوليًا.
من النيل إلى البحر الأحمر: جبهة توتر واحدة
تجمع قراءات عديدة بين مسارين متوازيين في الاستراتيجية الإثيوبية: التحكم في منابع النيل الأزرق عبر سد النهضة وسلسلة سدود مخططة، والسعي للحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر أو خليج عدن، كركيزتين لمشروع «قوة مهيمنة» في القرن الأفريقي.
الدكتور عبد الناصر سلّم حامد، الخبير المشارك في دراسات القرن الأفريقي، يلفت إلى أن وثيقة صادرة عن معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي عام 2024 وضعت حوض النيل والبحر الأحمر في «استراتيجية واحدة للجسمين المائيين»، أوصت بتطوير قدرات إثيوبيا العسكرية والبحرية و«الاستعداد للرد على أي تحركات لا تتسق مع المصالح الإثيوبية» في النيل أو البحر.
هذا الربط، بحسب حامد، يعني أن أي تصعيد في ملف سد النهضة قد ينعكس مباشرة على سلوك إثيوبيا البحري، والعكس صحيح، ما يرفع كلفة الخطأ الحسابي لجميع الأطراف، ويحوّل البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى مسرح مفتوح لصراعات متشابكة.
في هذا السياق، يحذر السفير صلاح حليمة من أن «إدخال البحر الأحمر في معادلة الضغط والمساومة» مع مصر والسودان والصومال، يفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي ومحاور متقابلة؛ أحدها تقوده إثيوبيا مستندة إلى تفاهمات مع قوى خارجية، والآخر يتشكل حول مصر والصومال وجيبوتي وإريتريا ودول عربية معنية بأمن الممرات البحرية.
أما الدكتور هاني رسلان فيرى أن تراكم الأزمات من النيل إلى البحر الأحمر «ليس قدرًا محتومًا»، لكنه نتيجة مباشرة لاختيار آبي أحمد نهج التوسع الإقليمي بدعم عسكري خارجي، بدلًا من تسوية نزاعاته عبر اتفاقات ملزمة وشراكات تنموية حقيقية، محذرًا من أن استمرار «سياسة الحافة» قد يدفع الإقليم إلى صراع مزمن يصعب احتواؤه دبلوماسيًا.
في المحصلة، تبدو رسائل آبي أحمد حول «حق إثيوبيا الأصيل» في البحر الأحمر أبعد من مجرد بحث عن منفذ تجاري؛ فهي جزء من معادلة ضغط أشمل تمتد من مياه النيل إلى ممرات البحر، وتضع مصر ودول الإقليم أمام اختبار جديد لقدرتها على رسم توازن يردع المغامرة دون أن يدفع المنطقة إلى حافة الانفجار.

