حكم “تاريخي” صدر عن المحكمة الدستورية العليا برئاسة المستشار بولس فهمي ألغى فعليًا الأساس الذي بُنيت عليه آلاف القضايا الخاصة بالمخدرات التخليقية. المحكمة قضت بعدم دستورية قرار رئيس هيئة الدواء المصرية الذي نقل جوهر الميثامفيتامين المعروف بــ“الشابو” ومواد مثل الفودو والاستروكس من القسم الثاني إلى القسم الأول بجدول مكافحة المخدرات. التأثير فوري وخطير. لأن المحكمة اعتبرت القرارات التنفيذية “كأن لم تكن” منذ صدورها، ما يفتح الباب لتداعيات جنائية واسعة، ويضع الدولة أمام فراغ تشريعي يحتاج علاجًا عاجلًا.

 

حكم الدستورية يهز ملفات الشابو والاستروكس: قرارات “كأن لم تكن” وأحكام على المحك

 

الحكم لا يقتصر على إلغاء قرار إداري. هو يعيد تشكيل “الوصف القانوني” لمواد جرى التعامل معها كجواهر مخدرة شديدة الخطورة خلال الفترة الماضية. المحكمة اعتبرت أن نقل الميثامفيتامين وغيره إلى القسم الأول تم بقرار تنظيمي يفتقد التفويض التشريعي الصحيح. هذا يعني أن تجريمًا واسعًا بُني على قاعدة غير سليمة، وأن ما ترتب عليه من آثار يمكن الطعن عليه أو طلب إعادة النظر فيه وفق القواعد القانونية.

 

الأشد حساسية أن منطوق الحكم اعتبر جميع القرارات التنفيذية الصادرة عن رئيس هيئة الدواء، في هذا الشأن، كأنها لم تصدر أصلًا منذ تاريخ صدورها. بهذه الصياغة، لا نتحدث عن تعديل محدود أو تصحيح إجراء. نحن أمام إسقاط أساس قانوني كامل. وتقارير تشير إلى أن هذا قد يفتح الباب أمام تبرئة متهمين صدرت ضدهم أحكام بين الحبس والسجن المؤبد، لأن جوهر الإدانة ارتكز على قرار صار بلا أثر.

 

يرى المستشار بولس فهمي من خلال هذا الحكم أن المسألة ليست حربًا على المخدرات أو تساهلًا مع الشابو. المسألة هي سند القرار. المحكمة انتصرت لمبدأ الفصل بين السلطات. ووضعت حدًا لتوسيع التجريم بقرار تنفيذي دون تفويض صريح من المشرّع. هذه الرسالة تعني أن مواجهة المخدرات التخليقية لا تُدار بالالتفاف القانوني، بل بأداة تشريعية واضحة تضمن سلامة التجريم وقوة الأحكام أمام الطعون.

 

ثغرة التفويض: قانون 182 يحصر التعديل في وزير الصحة وهيئة الدواء خارج النص

 

النص يحدد سبب الأزمة بدقة. قانون إنشاء هيئة الدواء خلا من نص يمنح رئيسها صلاحية تعديل جداول قانون مكافحة المخدرات رقم 182 لسنة 1960. هذا القانون حصر الاختصاص في وزير الصحة وحده. النتيجة كانت فراغًا قانونيًا. هيئة الدواء تصدر قرارًا تنظيميًا لتعديل جوهري في الجداول. ثم تأتي الدستورية لتقول إن التفويض غير قائم، وإن القرار افتقر للسند التشريعي المطلوب.

 

هذا الفراغ لم يعد نظريًا بعد الحكم. لأن الحكم أوقف العمل بالمعايير الحالية التي كانت تضبط تصنيف المخدرات التخليقية، وأعاد العمل بالجداول القديمة السابقة على القرار المقضي بعدم دستوريته. عمليًا، هذا يخلق منطقة ارتباك في التحقيقات الجارية والقضايا المنظورة. ويخلق سؤالًا مباشرًا أمام النيابات والمحاكم: كيف تُكيَّف الوقائع التي كانت تُعامل باعتبارها جنايات مرتبطة بالقسم الأول، إذا كان هذا النقل سقط؟

 

يرى المحامي بالنقض والدستورية العليا عمرو عبد السلام أن المادة 49 من قانون المحكمة الدستورية تُسقط نصوص التجريم التي تقرر عدم دستوريتها، ما يجعل أحكام الإدانة المبنية عليها “غير ذات أثر”. هذا التفسير يضغط على النظام القضائي فورًا. لأن محاكم الجنايات تعاملت مع الشابو والاستروكس والفودو كمواد شديدة الخطورة وفق التصنيف المطعون عليه. ويرى عبد السلام أن الوضع الراهن يتطلب قرارًا عاجلًا من وزير الصحة لإعادة إدراج هذه المواد ضمن جداول التجريم وفق صلاحياته الأصلية، حتى لا تتسع فجوة الإنفاذ.

 

ويرى تامر عصام، رئيس هيئة الدواء وصاحب القرار رقم 600 لسنة 2023 بحسب ما ورد، أن الهدف من القرار كان مواجهة التطور التكنولوجي في تركيب المواد المخدرة وتغيير خصائصها الكيميائية. هذه النقطة تكشف التوتر الأساسي: الدولة تريد أداة سريعة لملاحقة “بدائل كيميائية” تتبدل بسرعة. لكن المحكمة قالت إن السرعة لا تُبرر تجاوز الاختصاص. وبذلك يتحول التحدي إلى سؤال: كيف تُلاحق الدولة مادة تتغير تركيبًا بسرعة، دون أن تسقط قراراتها عند أول اختبار دستوري؟

 

البرلمان والنيابة العامة في سباق الوقت: تعديلات عاجلة واجتماعات لحماية التحقيقات والأحكام

 

بعد الحكم، ظهر تحرك سياسي وتشريعي واضح. وكيل لجنة الصحة بمجلس النواب مجدي مرشد أعلن توجه اللجنة لعقد اجتماع طارئ لإدخال تعديلات “جوهرية” على قانون مكافحة المخدرات لسد الثغرات التي كشفها حكم الدستورية. الهدف المعلن هو نقل اختصاص تعديل الجداول بشكل قانوني سليم إلى هيئة الدواء، لتفادي انتشار المواد الكيميائية الخطرة في المجتمع. هذا تحرك يعترف ضمنًا أن المعركة ليست أمنية فقط، بل تشريعية أيضًا.

 

يرى مجدي مرشد أن ترك الفجوة دون تعديل عاجل يخلق مساحة يمكن أن تستغلها شبكات الاتجار، لأن الحكم أعاد الجداول إلى ما قبل القرار. ويرى أن ضبط الاختصاص قانونيًا، بدل الاعتماد على قرارات تنظيمية قابلة للإبطال، هو الطريق لضمان استقرار التجريم واستمراره. الرسالة هنا حادة: الدولة دفعت ثمن “حل إداري” سريع، وستضطر الآن لدفع ثمن “إصلاح تشريعي” حتى لا تتكرر الصدمة.

 

على المسار الإجرائي، وجه النائب العام دعوة لاجتماع موسع يضم مستشارين وممثلين عن وزارتي الصحة والداخلية وهيئة الدواء وصندوق مكافحة الإدمان لبحث التداعيات المترتبة على بطلان تجريم المخدرات التخليقية بوضعها الحالي. الاجتماع يناقش مصير التحقيقات الجارية والأحكام الصادرة في قضايا الاتجار والتعاطي التي استندت إلى قرار تامر عصام رقم 600 لسنة 2023. هذه ليست تفاصيل تنظيمية. إنها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ملفات قد تنهار إجرائيًا إذا لم تُضبط بسرعة.

 

جذور القضية، كما ورد، تعود إلى طعن قدمته النيابة العامة وأحد المتهمين الصادر ضده حكم بالسجن المشدد 3 سنوات وتغريمه 50 ألف جنيه من محكمة جنايات سوهاج في يناير 2024 بتهمة حيازة الميثامفيتامين. ثم أحالت محكمة النقض الطعن إلى الدستورية في أكتوبر الماضي للفصل في مدى قانونية انفراد رئيس هيئة الدواء بسلطة التعديل. ورغم توصية هيئة المفوضين برفض الطعن، جاء الحكم ليحسم المسألة لصالح ضرورة وجود سند تشريعي واضح للقرارات المقيدة للحقوق.

 

الخلاصة التي يفرضها الحكم قاسية وواضحة. الدولة أرادت سد فجوة المخدرات التخليقية بقرار تنظيمي سريع. المحكمة ردت بأن التجريم لا يُدار بهذه الطريقة. الآن، ملفات الشابو والفودو والاستروكس تقف على أرض قانونية متحركة. والبرلمان والنيابة العامة يتحركان لتقليل الانهيار الإجرائي. ويرى عمرو عبد السلام أن الحل العاجل يمر عبر وزير الصحة وصلاحياته الأصلية، إلى أن يُعاد بناء التفويض تشريعيًا. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال الذي يضغط على الجميع: كيف تُحارب مواد تتغير كيميائيًا بسرعة، دون أن تتحول “الحرب عليها” إلى قرارات تسقط وتفتح أبواب الإفلات؟