تعيش العلاقات بين الجزائر والإمارات واحدة من أكثر مراحلها توترًا منذ سنوات، بعد شروع الجزائر في إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي الموقعة مع أبوظبي عام 2013، في خطوة قرأها كثيرون باعتبارها ردًّا مباشرًا على ما تصفه الجزائر ودوائر مغاربية واسعة بـ«دور إماراتي تخريبي» يستهدف وحدة الدولة الجزائرية عبر دعم حركات انفصالية، وفي مقدمتها حركة «ماك» (حركة تقرير مصير منطقة القبائل).
هذا التصعيد لم يأتِ من فراغ؛ فخلال الشهور الماضية ازدادت حدة الخطاب الجزائري ضد «دولة عربية» لم يذكرها الرئيس عبد المجيد تبون بالاسم، لكنه اتهمها بالتدخل في الشأن الداخلي ومحاولة زعزعة الاستقرار، في تلميح لم يعد خافيًا على أحد، خاصة مع تصاعد التغطيات الإعلامية في الجزائر التي تتهم أبوظبي بالتحرك في الظل لتوظيف الورقة الانفصالية في منطقة القبائل ضمن صراع أوسع على النفوذ في شمال إفريقيا والساحل.
اتهامات بدعم «ماك».. من باريس إلى سماء الجزائر
تزايدت حساسية الملف بعد الخطوة الاستفزازية التي أقدمت عليها حركة «ماك» في ديسمبر 2025، عندما أعلن زعيمها فرحات مهني من باريس، في احتفال رمزي، قيام ما سماه «جمهورية القبائل الفيدرالية الديمقراطية» في تحدٍّ صريح لوحدة التراب الجزائري. وقد صنّفت السلطات الجزائرية الحركة كتنظيم «إرهابي» منذ 2021، متهمةً إياها بتلقي تمويلات خارجية والتورط في مخططات عنف وإشعال حرائق مدمرة في منطقة القبائل.
في هذا السياق، تتحدث تقارير صحفية إقليمية عن «شبكة دعم» خارجية تسعى إلى توظيف «ماك» كورقة ضغط على الجزائر، وتشير إلى المغرب و«إسرائيل» كأطراف متهمة من جانب الحكومة الجزائرية بالاقتراب من الحركة والانخراط في لعبة إعادة رسم خرائط النفوذ في المغرب العربي. وفي قلب هذه الاتهامات تظهر الإمارات بوصفها فاعلًا متهمًا – في الإعلام الجزائري ومقالات تحليلية مغاربية – بمحاولة الاستثمار في الورقة الانفصالية عبر الدعم السياسي والإعلامي، في إطار خصومة أوسع مع الدولة الجزائرية حول ملفات ليبيا والساحل والسودان.
صحيح أن الجزائر لم تُعلن رسميًا أن قرار إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي مع الإمارات مرتبط بملف «ماك»، لكن تزامن الخطوة مع تصاعد الحديث الرسمي عن «دولة عربية تتآمر على وحدة الجزائر»، ومع حملة صحفية جزائرية حادة ضد أبوظبي، يجعل الربط بين الملفات أمرًا طبيعيًّا في قراءة المشهد. قرار وقف الاتفاقية، الذي يستلزم إخطار الطرف الإماراتي والمنظمة الدولية للطيران المدني وفقًا للمادة 22 من الاتفاق، لا يبدو مجرد إجراء فني، بل رسالة سياسية ثقيلة بأن الجزائر مستعدة لاستخدام أدواتها السيادية للرد على ما تعتبره «استباحة لأمنها القومي».
سجل مثقل بالتدخلات: من اليمن والسودان إلى ليبيا والساحل
الجدل حول الدور الإماراتي في الجزائر لا يمكن عزله عن الصورة الأوسع لسلوك أبوظبي الإقليمي خلال العقد الأخير. فبحسب تقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية، تبني الإمارات استراتيجية تعتمد على التحالف مع أنظمة أو ميليشيات مسلحة، وتوظيف المال والسلاح والموانئ والقواعد العسكرية لفرض نفوذها من اليمن إلى القرن الإفريقي والساحل.
في اليمن، ظل النفوذ الإماراتي قائمًا عبر دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، ذي الطابع الانفصالي، حتى بعد الإعلان عن سحب القوات البرية في 2019، وهو ما اعتبره مراقبون نموذجًا لتغذية نزعات تقسيم الدولة تحت غطاء «مكافحة التطرف». وفي ليبيا، وثقت تقارير خبراء الأمم المتحدة تقديم أبوظبي دعمًا عسكريًا واسعًا للجنرال خليفة حفتر في هجومه على طرابلس عام 2019، بما في ذلك تزويده بطائرات مسيرة ومنظومات سلاح متطورة، في محاولة لفرض مسار سياسي يناسب رؤيتها المعادية للانتفاضات الشعبية والقوى المدنية.
أما في السودان، فقد واجهت الإمارات اتهامات متكررة من جانب مراقبي العقوبات في الأمم المتحدة وعدد من الحكومات الغربية بأنها توفر دعمًا لوجستيًّا وعسكريًّا لقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، المتهمة بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وعمليات تطهير عرقي في دارفور، وهو ما نفته أبوظبي رسميًا، لكن الشبهات ما زالت تحوم حول دورها في إطالة أمد الحرب الأهلية هناك.
إلى جانب المسارات العسكرية، تكشف دراسات متخصصة عن تحوّل الإمارات إلى قوة «شبه إمبريالية» في إفريقيا، عبر حيازة موانئ استراتيجية وسلاسل لوجستية تمتد من البحر الأحمر إلى سواحل غرب إفريقيا، واستثمارات ضخمة في الأراضي الزراعية والموارد المعدنية، كثير منها يرتبط باتهامات بالاستحواذ على الأراضي وتهجير السكان المحليين والتربح من الذهب المهرب. هذه الشبكة تجعل من أبوظبي لاعبًا حاضرًا في كل ملف أمني أو سياسي تقريبًا في القارة، بما في ذلك مناطق الهشاشة المحيطة بالجزائر في الساحل والصحراء.
الجزائر بين مشروع التفتيت ومقاومة «الإمبراطورية الصغيرة»
من هذا المنظور، يبدو الخلاف الجزائري–الإماراتي أعمق بكثير من كونه نزاعًا تقنيًا حول اتفاقية طيران. الجزائر، التي تنظر بقلق إلى تنامي النفوذ الإماراتي في الساحل، وإلى أدوار أبوظبي في دعم قوى انفصالية أو ميليشيات مسلحة في دول الجوار، ترى في أي تقاطع بين هذا السلوك وبين الملف القبائلي تهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني ووحدة ترابها.
في المقابل، تتحرك الإمارات وفق رؤية تعتبر نفسها «قوة إقليمية راعية للاستقرار» في مواجهة الإسلام السياسي والانتفاضات الشعبية، لكنها في الواقع – وفق تقييمات مراكز بحثية وحركات حقوقية – تُعيد تشكيل خرائط النفوذ عبر دعم سلطويات جديدة، أو تغذية حروب أهلية، أو اللعب على وتر الهويات والانقسامات الإثنية، بما يفتح الباب أمام سيناريوهات تفكيك للدول الوطنية في أكثر من ساحة.
على هذه الخلفية، يبدو ملف «ماك» اختبارًا حادًّا لحدود التلاعب الخارجي بقضية شديدة الحساسية في الجزائر. فالحركة، التي تنشط من باريس وتسعى إلى تدويل مطلبها الانفصالي عبر لوبيات في واشنطن والأمم المتحدة، تحاول استثمار أي تصدعات أو خصومات إقليمية لصالح مشروعها، بينما تتعامل معها الدولة الجزائرية باعتبارها أداة في يد خصوم خارجيين، وترد بمنطق أمني وقضائي صارم، وصل إلى حد تصنيفها «إرهابية» والحكم غيابيًا على زعيمها بالمؤبد.
في النهاية، قطع خط الطيران مع الإمارات ليس سوى أحد تجليات صراع أوسع على شكل المنطقة المغاربية ومستقبلها: بين نموذج دولة تحاول، رغم عثراتها، الحفاظ على وحدة ترابها وهويتها الوطنية، ونموذج «إمبراطورية مالية صغيرة» تتوسع عبر المال والسلاح والتحالف مع القوى الأكثر تشددًا واستبدادًا، حتى لو كان الثمن مزيدًا من التفتيت والدمار. وفي قلب هذا الصراع، تبقى وحدة الجزائر واستقرارها على المحك، بينما تتحول أبوظبي شيئًا فشيئًا إلى عنوان رئيسي لكل نقاش حول التدخلات الخارجية المشبوهة في المنطقة.

