بينما يشكو ملايين المصريين من قفزات مجنونة في أسعار الدواجن، ويصل كيلو الفراخ إلى ما فوق 110–120 جنيهًا في بعض المناطق، يخرج جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» – الذراع الاقتصادي الأحدث للقوات المسلحة – ليتباهى بإطلاق أكثر من 15 علامة تجارية جديدة للسلع الأساسية، وتوسيع سلاسل «سوبر توفير» على مستوى الجمهورية.
الرسالة الرسمية تقول إن الهدف هو «تعزيز الأمن الغذائي وخفض الأسعار»، لكن شهادات من داخل سوق الدواجن تؤكد أن الأزمة الحالية مفتعلة في ظل وفرة إنتاج تصل – بحسب تقديرات الخبراء – إلى نحو 20% فوق احتياجات السوق، وأن ما يجري هو إعادة رسم خريطة التجارة الداخلية لصالح جهاز عسكري يمسك الآن بسلسلة الغذاء من الأرض حتى رف السوبر ماركت. في هذه المعادلة يصبح المواطن الحلقة الأضعف، يدفع فاتورة الغلاء واحتكار التوزيع معًا.
جهاز عسكري يتحول إلى تاجر تجزئة: من استصلاح الأراضي إلى «سوبر توفير»
بحسب التعريف الرسمي، أنشئ جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» بقرار رئاسي عام 2022، تحت إشراف القوات الجوية، لاستصلاح ملايين الأفدنة ضمن مشروع الدلتا الجديدة، والمساهمة في توفير المحاصيل الاستراتيجية وتقليل فاتورة الاستيراد. لكن الجهاز لم يتوقف عند حدود الزراعة؛ بل تمدد سريعًا إلى التصنيع الغذائي عبر مجمع «قها وإدفينا» للعصائر والبقوليات واللحوم المصنعة، ثم إلى التجارة والتجزئة عبر منافذ وسلاسل بيع تحمل اسم «سوبر توفير».
تقرير اقتصادي حديث كشف أن الجهاز يدرس إطلاق أكثر من 15 علامة تجارية جديدة للسلع الأساسية، مع إنشاء منصة إلكترونية موحدة لتسجيل موردى القمح والزيوت، وربط ذلك بمنظومة الشراء الموحد، بما يعني عمليًا أن الجهاز لا يزرع فقط، بل يشتري ويخزن ويصنع ويبيع للمواطن النهائي تحت لافتات متعددة، من بينها «سوبر توفير» وغيرها.
هذا التوسع الأفقي والرأسي يطرح سؤالًا لا يريد أحد في السلطة الاقتراب منه: حين يتحول جهاز تابع للجيش إلى لاعب مهيمن في الإنتاج والتوزيع والتسويق، ماذا يتبقى للقطاع الخاص الحقيقي؟ وكيف يمكن الحديث عن «سوق حرة» و«منافسة» بينما طرف واحد يملك الأرض والمياه والوقود والامتيازات الضريبية، ثم يدخل اليوم إلى أرفف السلع الغذائية في الشوارع والأحياء؟
أزمة الدواجن «مصنوعة» رغم وفرة الإنتاج
في المقابل، تبدو أزمة ارتفاع أسعار الدواجن مثالًا صارخًا على كيف يُستخدم سلاح الغذاء في إعادة تشكيل السوق. رئيس الشعبة العامة للدواجن في الغرفة التجارية، سامح السيد، خرج قبل أيام ليؤكد أن وصول أسعار الدواجن للمستهلك إلى حدود 110–120 جنيهًا للكيلو «غير مبرر»، وأن السعر العادل – وفق تكاليف الإنتاج ومدخلاته – يجب ألا يتجاوز 75 جنيهًا، خاصة مع استقرار أسعار الأعلاف وتوفير الدولة للذرة والصويا دون أزمات مرتبطة بالدولار.
السيد أشار صراحة إلى أن الفارق بين السعر العادل وسعر السوق يعود لممارسات غير منضبطة في بعض حلقات السلسلة، خصوصًا في بيع الدواجن الحية بالمناطق المختلفة، وهي صيغة دبلوماسية تقول بلغة ناعمة إن هناك من يتلاعب بالأسعار في ظل غياب رقابة حقيقية. في الوقت نفسه، تؤكد مصادر من داخل اتحاد منتجى الدواجن أن الطاقة الإنتاجية الحالية، بعد تجاوز أزمة الأعلاف، تعطي وفرة قد تصل إلى خمس احتياجات السوق، أي إن المشكلة ليست فى نقص المعروض بقدر ما هى فى «من يمسك بسوق الجملة، ومن يملك قرار من يورد ولمن وبأي سعر».
على الضفة الأخرى، نرى أخبارًا عن اتفاقات بين «جهاز مستقبل مصر» واتحاد منتجي الدواجن لتوريد آلاف الأطنان لصالح منظومة الشراء الموحد، تحت لافتة «ضبط السوق وتشجيع التصدير». ظاهريًا يبدو الأمر إيجابيًا؛ جهاز حكومي يتدخل ليشتري من المنتجين ويطرح بأسعار أقل. لكن عمليًا، هذا يعنى أن الجهاز العسكري نفسه يتحول إلى «المشتري الأكبر» الذي تمر عبره كميات ضخمة من الدواجن، ليعيد توزيعها تحت علاماته التجارية الجديدة، متحكمًا في هوامش الربح وحجم ما يُطرح ومتى يُطرح.
في ظل هذا التشابك، يصبح من السهل دفع السوق إلى أزمة سعرية، ثم الظهور في الإعلام كـ«المنقذ» الذي يضخ كميات عبر منافذ الجيش والشرطة والجهاز الجديد، بينما يظل المستهلك أسيرًا لأسعار لا يفهم من يحددها، ومن المستفيد الحقيقي من كل جنيه إضافي يدفعه في كيلو الفراخ.
من يربح من الغلاء وتكاثر العلامات العسكرية؟
من الناحية السياسية، لا يمكن فصل إطلاق خمس عشرة علامة تجارية جديدة تحت جناح جهاز عسكري، عن لحظة اقتصادية يعيش فيها المصريون واحدة من أقسى موجات الغلاء، وتتحول فيها الدواجن – المَلاذ الأخير بعد هروب الناس من اللحوم الحمراء – إلى سلعة شبه فاخرة على موائد الفقراء ومتوسطى الدخل. السؤال هنا ليس فقط: لماذا ترتفع الأسعار رغم وفرة الإنتاج؟ بل: من يملأ الفراغ الذى يخلقه هذا الارتباك المتعمد؟
حين يتوسع «مستقبل مصر» في التجارة الداخلية، وتُمنَح له أولوية في التخصيصات والأراضي والمياه والقروض، وحين يمر جزء من إنتاج الدواجن والحبوب والزيوت عبر منظومة شراء موحدة تدار من نفس الجهاز، يصبح من المنطقي أن يُشكّك المواطن في نوايا الحديث عن «ضبط الأسواق». فكل جنيه يزيد في السعر النهائي يذهب جزء منه إلى سلسلة حلقات تتشابك فيها مصالح كبار المنتجين مع جهاز حكومي–عسكري يملك السلاحين معًا: قرار التنظيم، وامتياز التجارة.
بكلمات أخرى، الأزمة ليست في أن الجيش يزرع أو يبني صوامع أو يملك مصانع غذاء؛ المشكلة حين يتحول إلى «تاجر تجزئة» ينافس البقال الصغير وسلسلة السوبر ماركت المدنية والمنتج المستقل، مستخدمًا سلطته ونفوذه لفرض معادلة جديدة:
إما أن تمرّ عبر المنظومة العسكرية–الحكومية، أو تُترك لمضاربات الأسعار والجشع والفوضى.
في هذه اللوحة، يبدو إطلاق 15 علامة تجارية جديدة لجهاز «مستقبل مصر» ليس خطوة لتحرير الأسواق، بل حلقة إضافية في سلسلة إحكام القبضة على الغذاء، من المزرعة إلى طبق المواطن. أما حديث «أزمة الدواجن» في ظل وفرة الإنتاج، فليس إلا الوجه الآخر لعملة واحدة: خلق اختناق متعمد، ثم تقديم «المنقذ» نفسه على أنه الحل الوحيد… بينما الحقيقة أن من يملك القدرة على صناعة الأزمة، هو نفسه المستفيد الأول من بيع تذكرت الخروج منها.

